المغرب سياسة

هل تستطيع حكومة العثماني البقاء على قيد السلطة…؟


محمد أديب السلاوي

 
الحكومة المغربية الراهنة، يمكن تسميتها من حيث الشكل “حكومة شرعية” لأنها جاءت من طرف صناديق الاقتراع التي أفرزت حزبا أغلبيا، قام الدكتور العثماني بتأليفها وفق أحكام الدستور…ووفق منظوره السياسي.
ومن حيث الشكل أيضا، أصبحت هذه الحكومة تستمد شرعيتها السياسية من صناديق الاقتراع، إذ ينتمي كل وزرائها إلى أحزاب شاركت في العملية الانتخابية، وهو ما أعطى / يعطي الحكومة الحق في مباشرة السلطة والتخطيط السياسي / الاقتصادي / الاجتماعي، والعمل من أجل تحقيق مطامح الذين صوتوا على وجودها…وعلى سلطاتها.
طبعا، إن الشرعية السياسية لأية حكومة في النظام الديمقراطي تعتمد على قبول الشعب بها (الشعب الناخب) لأنها دون ذلك القبول تصبح لاغية / لا قيمة لها، لأن الشعب هو السلطة الرئيسية لأية حكومة.
الآن، وبعدما اشتد جحيم الغلاء على المصوتين الذين أتوا بهذه الحكومة، غلاء أسعار المواد الغذائية / وغلاء الغاز والبترول / غلاء الخدمات، وكل ما تقوم عليه حياة المواطنين، أصبح واضحا للعيان، أن حب الترف والحرص عليه من طرف أصحاب المال، كان من أهم أسباب هذا الغلاء، إذ لم يكن لكثير من الذين يكتوون بنار الأسعار، القدرة الشرائية، وتحصيل متطلباتهم الضرورية، وهو ما جعل الفقراء والعاطلين والعمال والموظفين في كرب وضيق، بل وهو ما دفعهم بتلقائية إلى “مقاطعة” بعض السلع التي تستنزف ميزانيتهم الضئيلة، كأرقى أنواع الاحتجاج من أجل دفع الحكومة إلى التحكم في الأسعار وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين والحد من باعة الوهم واقتصاد الريع.
المؤسف، أن الحكومة عوض أن تبادر إلى مراجعة الأسعار والبحث عن حلول لموجة الغلاء، ذهبت إلى المواجهة، فكان رد فعلها شنيعا تجاه المقاطعة والمقاطعين، حيث أشهرت سيف المتابعة القضائية ضدهم، بعيدا عن القانون، وعن أحكام الدستور، وكأنها كانت تريد تحويل موقفها إلى معترك لتصفية حسابات سياسية.
أطلق وزرائها على المقاطعين نعوت المداويخ والقطيع والمجهولين، وأعلن ناطقها الرسمي، بأنها ستحدث قوانين ترمي إلى معاقبتهم، متجاهلا حق المواطنين الدستوري في فعل المقاطعة، وهو ما أضفى على هذا الموضوع حالة الصراع والتجاذب بين الشعب والحكومة.
لقد تسببت الخرجات غير المحسوبة للوزراء الذين كان همهم إرضاء زعيم التجمع الوطني للأحرار / تسببت في جر الحكومة لمواجهة المقاطعة والمقاطعين خارج أي إستراتيجية أو حلول ناجعة، وهو ما كشف عن توجه الحكومة الاقتصادي، حيث أظهرت أنها تدور حول محور المصلحة الفردية / مصلحة أصحاب المال المترابطين بالسلطة ومصلحة المستثمر الأجنبي الذي يستنزف بلا حدود جيوب المواطنين، كما كشفت بوضوح أنها تخدم مصالح ومنافع هذه الفئة، ولا شأن لها في مصلحة الذين أوصلوها إلى السلطة.
طبعا، في هذا النوع من الحكومات، لا تؤخذ آراء الشعب ولا مطالبه، ولا يقام لآرائه ومطالبه أي وزن على الإطلاق، لأنها أساسا حكومات مستبدة وفاسدة.
تصريحات بعض وزراء الحكومة عن “المقاطعة” وهي منافية للسياسة والمنطق والعقلانية، أعطت للمقاطعة توسعا لم يكن المقاطعون يحلمون به، كما خلقت نوعا من التجاذب بين الحكومة ومواقع التواصل الاجتماعي التي حولت بقدرة قادر إلى لسان حال المقاطعة والمقاطعين.
وفرت هذه المواقع بديلا للاحتجاج التقليدي الذي عرفه المغرب في العقود الماضية، وهو بديل ناجع، لا يكلف شيئا لا على المستوى المادي ولا المعنوي.
بفضل هذه المواقع، نجحت “المقاطعة” في وقت قياسي في إسقاط خطاب الحكومة / فضحت سياساتها المهترئة التي لا تحترم حق المواطن في التعبير، كما لا تحترم مطالبه من أجل العيش الكريم.
في زمن قياسي، انتقلت الحكومة من حالة التهديد والوعيد إلى حالة الاعتذار والمطالبة بالتخلي عن”المقاطعة”من اجل سلامة شركات الاستثمار، وهو ما يعني لشعب المقاطعة عدم اهتمام هده الحكومة بالغضب الشعبي ضد الغلاء والفساد وزواج السلطة والمال الذي يحيط بها ويتحكم في سياساتها وقراراتها الغير متوازنة.
وفي زمن قياسي أصبحت المقاطعة تشتعل ضد غلاء كل السلع المحلية والمستوردة / ضد الحكومة ورجالاتها / ضد الأحزاب التي تتشكل منها، وضد قراراتها.
مشكلة الحكومة في هذا التجاذب الذي يتسع يوما بعد آخر،إنها مرة تهدد المقاطعين باستعمال العصا، من أجل التخلي عن المقاطعة، وهي تعلم أنها لا تستطيع شيئا ضدهم، ومرة تعطي وعودا بإصلاح الحالة وهي لا قدرة لها عليه.

لربما كانت هده الحالة المؤسفة هي التي دفعت شعب المقاطعة إلى التخلي عن “الحكومة” إذ أصبح الفقراء والعاطلين والمقهورين بالغلاء والمهمشين يطالبون برحيلها لأنها في نظرهم أساءت استخدام السلطة الحكومية التي منحها لها الشعب عن طريق صناديق الاقتراع لأهداف غير مشروعة، ولأجل تحقيق مكاسب “الإرهاب الاقتصادي” المحلي والدولي.

والسؤال اليوم : هل تستطيع هذه الحكومة البقاء على قيد السلطة ؟

نعتقد انه أصبح من الصعب على مهندسي المرحلة الراهنة الخروج بقرار لإيقاف هذا السيل العارم من الاحتجاج الرهيب سوى قرار رحيل العثماني وحكومته التي أصبحت عاجزة عن إبداع أي حل ممكن.

Leave a Comment