ثقافة

مذكرات رجل تعليم – الحسين بولقطيب – في ذكرى رحيله الأبدي (الجزء الثاني)

 

  الأستاذ ناصر السوسي

 

من ثمة طفقنا نكتشف بعضنا البعض . كان الواحد منا يحاول جس نبض الآخر ، و اختراق مكنونه الفكري و مرجعياته الثقافية و اهتماماته العلمية . اكتشف الحسين بولقطيب إيماني اللامحدود بالعمل الثقافي كواجهة ليس منها بد قصد تغيير الذهنيات و مواجهة الجهل لإرساء وعي المجتمع بذاته و لأجل بناء مجتمع ديموقراطي ، عقلاني ، حداثي ، متحرر من أغلال التقليد و ثقل الماضي و جثم السلف .و اكتشفت فيه طموحا عارما إلى القراءة يهدف إلى إعادة قراءة التاريخ الوطني الوسطوي Médiéval..

ربطتنا في البدء آصرة صداقة فضيلة لتتطور إلى رابطة أخوية رسخها التطابق و التكامل بين مشروعينا الجامعيين و آفاق التفكير و النظرة المتقاطبة إلى الأمور و الأشياء و المصير المشترك و الأحلام أيضا .أذكر جيدا عرضه القيم الذي قدمه بقاعة الأكل الشاسعة réfectoire للقسم الداخلي للمؤسسة Internat حول راهنية فكر ابن خلدون يوم كان للعروض و المحاضرات و الأمسيات الثقافية و الفنية أدوار رائدة في تكوين الأجيال و حملها على التثقيف الذاتي المستمر. و أذكر جيدا كم كانت القاعة تلك غاصة عن آخرها بتلامذتنا و زملائنا من المدرسين و الإداريين و المهتمين من خارج المؤسسة …

كان الدكتور الحسين بولقطيب يشتغل بالإعدادية أستاذا – متدربا للسلك الأول !!!!!!!!! لمادة الاجتماعيات في الوقت الذي كان كل كيانه مرتبطا بالجامعة المغربية حلمه و أمله الكبيرين . الجامعة كفضاء رحب للحرية و الفكر الخلاق و مجال لتلاقح الأفكار و ترويج قيم الاختلاف و التعدد و الجدارة الفكرية و الخلق والإبداع و الإشعاع ..
كنت كلما زرته لأجالسه أجده منزويا في زاوية من مكتبته عاكفا على القراءة و التنقيب أو متابعا لمستجدات الساحة السياسية .كثيرا ماكان يسألني عن عمل جامعي كنت بصدد إنجازه إذ ذاك حول موضوع ” Modérnisation et transition générationnelle – cas d’ Afourer – ..قراءاته متنوعة . ينهل من علوم شتى بينية interdisciplinaires . ثقافته موزعة / ممزقة بين حقول المعرفة الإنسانية الحديثة و المعاصرة التي شكلت أسلوب تفكيره وسمت منهجيته بشكل رصين و شخصيته كمؤرخ واعد في مطلع ثمانينات القرن المنصرم…

يتحدث في حقل التاريخ تخصصه العلمي الأصلي بكلية آداب فاس و عن المصادر التي تغذى منها و عن أعمدة الفكر التاريخي المغربي بتقدير كبير يعبر عن فضيلة الاعتراف بالفضل العلمي لرموز مدرسة التاريخ المغربية في زمن سوريالي انقلبت قيمه رأسا على عقب .. هكذا كان يحيل على عبد الله العروي و محمد المنوني و إبراهيم بوطالب و محمد حجي و جرمان عياش و أحمد التوفيق و محمد مزين و العربي مزين و أحمد بوشرب …..

( يتبع )

Leave a Comment