ثقافة

مذكرات رجل تعليم : الحسين بولقطيب، في ذكرى رحيله الأبدي . (الجزء الأول)

      الأستاذ ناصر السوسي

 

تعود علاقتي بصديقي المؤرخ المغربي الدكتور الحسين بولقطيب إلى مطلع عقد ثمانينات القرن المنصرم حين أنهينا معا مدة إخضاعنا للتجنيد المدني : سنتان متتاليتان بالتمام و الكمال. هو كان مدرسا للاجتماعيات بالسلك الأول بواويزغت الخلابة و أنا كنت مدرسا – مجندا في مادة اللغة العربية و الإسلاميات للسلك الأول بأفورار الرائعة ..رحل ( الراء ضما و الحاء مشددة كسرا ) الحسين قسرا إلى أفورار كما روى لي ذلك بغصة و مرارة ذات يوم ازمهر ليله و قد دعاني لتناول طعام العشاء ببيته الذي اكتراه حينما توطدت علاقتنا الفكرية و الثقافية ..كنا في البداية ندرس الأقسام ذاتها و نتبادل أحاديث مقتضبة في فترات الاستراحة خلال الحصص الصباحية أو بعد الزوال …

توطدت الاتصال و التواصل الإنساني بيننا رويدا رويدا . في البدء لم أكن أعرف عنه سوى أنه مدرس نشيط. منبسط ، بشوش ، خفيف الظل و الريح ، خدوم ، محب للنكثة ، مقبل على الحياة ولبق مع المتعلمين ،
تطورت العلاقات بيننا فارتقت إلى مستوى الحميمية الحقة ثم قواها ووطدها بمتانة وجود رفاق مشتركين كانوا مدرسين من طينة نادرة ومثقفين مرموقين ومناضلين متميزين متطلعين إلى أفق جميل ووطن يتسع لأبنائه بقضهم و قضيضهم ..
مدرسون بكل ما في الكلمة من معنى و قلما يجود هذا الزمان السوريالي بنظرائهم ؛ أذكر من بينهم الأستاذ زهير إبراهيم مدرس الاجتماعيات ثم الفلسفة و عبد الواحد شنيبر أستاذ اللغة الإنجليزية و الأستاذ كمال صيدقي الخاضع مثلنا ، في تلك الآونة ، هو الآخر لقانون التجنيد المدني و الأستاذ مولاي المهدي أبو طاهير مدرس الاجتماعيات و الرياضياتي الخارق المولع بالفلسفة الصديق البهي مصطفى أسكور ….

كنا في ” الكوليج ” ، الأستاذ سي أحمد الكنوني الشغوف بالسيكولوجيا المرضية والتحليل النفسي يدعوها الكوليج دو فرانس – نشتغل بنظام التوقيت الكندي و لما نفرغ من التزاماتنا الوظيفية خصوصا في المساءات الطويلة بجوهرة سيميراميس أفورار الفاتنة كنا نتسامر في بيت صديقي المرحوم الحسين بولقطيب وشيئا فشيئا كانت أحاديثنا تقذف بنا في خضم المذاكرة و المناقشة الجادة بصدد قضايا الساعة و أمور فكرية و سياسية وو طنية و دولية ذات الوصل بعقدي الستينات و السبعينات ومطلع الثمانينات كسياسة البنك الدولي و صندوق النقد الدولي في دول الجنوب و إفريقيا على الخصوص ….
كان الأستاذ عبد الواحد شنيبر، الإنجليزي ، هكذا نناديه ، المراكشي الأصيل، مستشارنا و دليلنا في اللغة الأنجلوسكسونية والكبير زهير إبراهيم مفككا للنصوص الفلسفية و التراثية ، مهموما بقراءة حسين مروة وطيب تيزيني و أعمال محمد عابد الجابري و أنور عبد الملك وغرامشي العرب المفكر مهدي عامل و جلال صادق العظم ؛ منشغلا حتى النخاع بمستجدات اليسار العربي و الصراع العربي الإسرائيلي وعوامل الإنقسام الخطيرة بين الفصائل الفلسطينية و تداعيات الاقتتال و التناحر الطائفي و أخبار المقاومة الوطنية اللبنانية ضد العدو الصهيوني و أذنابه من جيش جنوب لبنان بأطراف مدينتي صيدا و صور : عيتا و عيترون و كفر شوبا و مرجعيون …. بقيادة العميدين عميلي العدو الصهيوني المحتل سعد حداد وأنطون لحد فيما بعد وإخراج فصائل المقاومة الفلسطينية من قلب بيروت باتجاه قبرص ثم صوب تونس في إطار حسابات سياسية مدروسة للقوى الدولية و لعبة خسيسة لحزب الكتائب المارونية الانعزالية في أعقاب تداعيات اغتيال الرئيس اللبناني الذي لم يتسلم مهامه أبدا بشير الجميل و مذبحة صبرا وشاتيلا و الحرب على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الدامور و برج البراجنة و اجتياح الجيش الإسرائيلي و قوات المارينز الأميريكية لبيروت وانتحار الشاعر العربي الكبير خليل حاوي برصاصة أطلقها من مسدس فجرت دماغه احتجاجا على تفكك الأوضاع و ترديها بلبنان الجريح ؛ و مؤامرة قذرة للمقتول إيلي حبيقة زعيم القوات اللبنانية قبل مجيء ” الدكتور ” سمير جعجع الذي سيعمق الطائفية أكثر …

كان زهير إبراهيم يدون بعناية فائقة يومياته و رؤوس الأقلام بانتظام في دفتر يحمله داخل محفظته المليئة بالكتب و الجرائد و المجلات العربية حتى و إن جلس للحظات بمقهى اللوز اللاتنسى … و كان مولاي المهدي أبو طاهير باحثا محنكا منكبا على التحليلات الاقتصادية و مقالات الباحث سمير أمين و عبد العزيز بلال في الوقت الذي كان فيه الأستاذ كمال صيدقي يطور تجربة مدهشة و غاية في الفرادة في النحت و الفن التشكيلي الملتزم ..أما الحسين بولقطيب صديق الكل فقد كان يرسم طريقا مغايرا و ينحو منحى آخر …
كانت انشغالات هذا الرجل الأمازيغي – الفاسي المنحدر تحديدا من قبائل آيت باعمران منصبة بأناة و تؤدة على الدراسات التاريخية الأكاديمية القروسطوية و الفكر الفلسفي الغربي : لويس ألثوسير وجورج لوكاتش ولوسيان غولدمان و ميشال فوكو و هنري لوفيفر ..كان شغوفا بحقل تخصصه : علم التاريخ شغفي اللامحدود بالسوسيولوجيا الغربية وبخاصة أعمال كل من ” جورج بالانديبه “و ” لوي فانسان طوما ” قطبا الدراسات الأنثروبولوجية بجامعة السوربون الخامسة بباريس و بمدرسة علم الاجتماع القروي المغربية التي أرسى دعائمها العميد سي محمد جسوس بمعية باحثين مرموقين : البروفيسور رحمة بورقية و الدكتور سي المختار الهراس …

( يتبع )

Leave a Comment