المغرب ثقافة

ليوطي أو الدولة الوطنية الحديثة المغربية . (أضواء على كتاب الأستاذ عبد الرحيم الورديغي )

      بقلم : د . ناصر السوسي .

 

أولا : – عتبة :

يراوح الأستاذ عبد الرحيم الورديغي في كتاباته الغزيرة بين حقلين معرفيين هامين؛ هما التاريخ و السياسة كيما يجس بهما نبض المجتمع المغربي في أفق تشريحه بمبضع العارف و المتخصص.
ومع أن تجربة الكاتب نحت منحى نوعيا خلال السنوات الأخيرة؛ تمثل في الانهماك بالعمل البيوغرافي أساسا، فإن هذه التجربة الجديدة تظل، من دون شك، موصولة، ومحكومة بذينك الحقلين المعرفيين المشار إليهما، ومتوسلة تسليط المزيد من الضوء على جوانب بعينها من تاريخ المغرب السياسي؛ انطلاقا من تعميق البحث وتدقيقه بطريقة مجهرية حول حياة، ومسيرة بعض الأقطاب/ الشخصيات السياسية الوطنية التي بصم حضورها؛ وطبع وزنها الحياة السياسية و الاجتماعية في المغرب المعاصر. [= الفقيه محمد بلعربي العلوي، واحمد رضا اكديرة، و المهدي بن بركة، وعلي يعته.]
ضمن هذا السياق يندرج عمل عبد الرحيم الورديغي حول ليوطي، الضابط السامي الفرنسي، الذي وظف إلى أبعد الحدود إسهامات العلم الحديث، واجتهادات المعرفة الإنسانية من اجل إخضاع المغرب في مستوى أول، و الانتقال به، إلى حدما، من حالة الفوضى القروسطوية [=السيبة] إلى حالة النظام، والمدنية في مستوى ثان.
يتحدد مرمى هذه الورقة في النظر في بعض مضامين؛ وحيثيات مؤلف عبد الرحيم الورديغي من خلال تشطيره إلى اللحظات الأساسية الآتية :

ثانيا : في العمل :

عديدة ومتباينة هي الدراسات التي اتخذت من ليوطي موضوعا لها. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التعدد وذاك التباين يمكن ردهما إلى ثراء المعالم الأساسية لهاته الشخصية، وفي الوقت عينه، إلى الأعمال كما الآثار التي خلدتها على صعيد الذاكرة الوطنية، و البنيان الاجتماعي، و العمراني وعلى صعيد مختلف مسلكيات الدولة المغربية المعاصرة؛ أي فيما يرتهن بتدبير الشأن العام عموما، و الشأن المحلي تخصيصا.
وبمكنتنا تصنيف هذه الكتابات، وبشيء من التجاوز، تبعا لمنجزيها في هاتين النقطتين:

1- كتابات مغرضة من حيث منزعها الإيديولوجي؛ الصريح أو المضمر، على اعتبار أنها تعمد إلى تشغيل سلسلة من التعابير السلبية؛ إلى جانب كم هائل من الأوصاف، والنعوت منها على سبيل المثال لا الحصر : الضابط الاستعماري الفرنسي، وصاحب سياسة بسط اليد، و الشخصية الماكياﭬيلية التي تتصنع بانتظام مسلكيات المودة، والابتسامة في وجوه الوجهاء، و الأعيان الأقوياء، و الزعمات المحلية بغاية تسخيرها لخدمة المشروع الاستعماري متى سنحت الفرصة لذلك …

2- إسهامات تقريظية، واحتفالية لا علمية لأنها تنحو منحى الإشادة بعظيم الأعمال التي حققتها الحماية الفرنسية؛ إن في عهد ليوطي، أو في عهد من أعقبه من مسؤولين على رأس المقيمية العامة بالمغرب.
و الحق أنه لا ينبغي في تقديرنا إقحام عمل الورديغي هذا ضمن تينك الملاحظتين المومىء إليهما. فلئن كان عمله قد تضمن، في كثير من اللحظات، توصيفا مفصلا لشخصية ليوطي تخلله شعور غامر بالانجذاب له (ص : 110) فإن ذات التوصيف طفق، و إلى حد كبير موسوما بطابع الحذر، و اليقظة. فالورديغي لم ينسق مع أي موقف من ذينك الموقفين المذكورين للاعتبارين التاليين:

1- التوق إلى الإنصاف العلمي للرجل بالنظر إلى ما قام به من إنجازات كبرى في المغرب جعلته بالتأكيد متمايزا تمايزا كليا عن نموذج العساكر الفرنسيين الذين ساسوا الجزائر بكل ما أوتوا من وسائل الغلبة؛ و القوة إبان الاستعمار. ومن الملاحظ أنهم لم يكونوا يتحركون إلا بدوافع المصلحة الشخصية الضيقة، والجشع كما النهب اللصوصي.

2- التوجه صوب عقد مقارنات ثاقبة بل في غاية الذكاء بين أسلوب اشتغال عمل إدارة “الحماية الفرنسية” في عهد ليوطي، و أسلوب عمل “الإدارة الوطنية” منذ استقلال 1956 السياسي.
وهكذا، وعلى مدار الصفحات التي عقد فيها تلك المقارنات [ص:110-111-112]، تمكن الورديغي من تمرير انتقادات صميمية تجلي مرارة قاسية بصدد ما آل إليه الوضع العام في البلاد [ص:111]. وعلى ظننا يغلب أن هذه المقارنات، لربما شكلت الباعث الأساس والمحرك الفاعل الذي حفزه على الاشتغال على شخصية ليوطي، هذا الضابط الذي كان مسنودا في مختلف إنجازاته؛ و أثناء إشرافه على الأعمال الكبرى بأطر من قطاعات مهنية متنوعة سواء في العلوم التقنية أو في العلوم الإنسانية (2)، وهي أطر مشهود لها بالحنكة، والكفاءة العالية بالإضافة إلى الإخلاص المنقطع النظير له ليوطي). فقد عمل هؤلاء كخلية منسجمة ومتكاملة حذتها إرادة ردم الهوة التي كانت و قتئذ تفصل المغرب، و الإنسان المغربي تحديدا عن العصر الحديث في مختلف الميادين و القطاعات [ ص:67-71-72-80-111 ] من كتاب عبد الرحيم الورديغي . ]

ثالثا : – حصيلة :

وأخيرا لا آخرا نقرر بأن عمل عبد الرحيم الورديغي يظل؛ فيما نقدر، جديرا بالقراءة والاهتمام بالنظر إلى الشخصية التي تناولها؛ و بالنظر كذلك إلى ما يناقشه من قضايا حية، وإشكاليات تفرض حضورها وراهنيتها، و بحسبان أيضا لما يعرضه من مقارنات وجيهة تدعونا إلى المزيد من الاعتبار و إعمال النظر .

– إحالات مرجعية – :

(1) Ouardighi (Abderrahim) : 2005, Lyautey, ou l’Etat moderne marocain (1912-1925). Phédiprint, Rabat, Maroc, 137 pages.
(2) يمكن كذلك الاطلاع على هذه الشهادة/ الوثيقة الهامة التي صاغها ديديي مادراس السكرتير الخاص للماريشال ليوطي.
* Madras (Didier) : 1953, Dans l’ombre du Maréchal Lyautey, Souvenirs ( 1921-1934). Editions Félix Moncho, Rabat, Maroc, 135 pages.

Leave a Comment