المغرب مجتمع

كيف أصبح تعليمنا مهددا بالسكتة القلبية…؟

صورة مأخوذة عن موقع goud.ma

 محمد أديب السلاوي

 

تؤكد وضعية التعليم بالمغرب الراهن، بصوت مرتفع، أن أنظمة التعليم ومناهجه أصبحت غير قادرة على مسايرة المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعرفها العالم اليوم، إذ انعكس هذا الضعف على مستوى المعلمين والأساتذة والمربين، وعلى أداء المؤسسات التربوية والتعليمية، وبالتالي على مستوى غالبية الخريجين الذين يجدون أنفسهم بكل ما يحملون من شهادات عاطلين عن العمل، مرفوضين من طرف أسواق الشغل، بعيدين عن حاجيات هذه الأسواق.
وأزمة التعليم في المغرب ليست جديدة، إنها ترافق عهد الاستقلال منذ سنة 1955 إلى اليوم، حيث كانت منظومة التعليم ومازالت تشكل التحدي الأكبر والرهان الأساسي، أمام الأحزاب والحكومات والنخب الفكرية، إذ توالت عليها مجموعة من الإصلاحات والبرامج الاستعجالية نظرا لأهمية هذه المنظومة ولدورها الحاسم والأساسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها الاستثمار الفعلي والأساسي في الرأسمال البشري للمغرب الحديث.
وخلال العقود الستة الماضية (زمن الاستقلال) عرفت منظومة التعليم بالمغرب عدة إصلاحات وترقيعات، باءت جميعها – مع الأسف- بالفشل، حيث أكدت كل التقارير المحلية والدولية أن هذه المنظومة أصيبت بانتكاسات حادة، مما جعل الشعب المغربي يفقد ثقته في التعليم العمومي وفي أنظمته التربوية، وهو ما يعني أن السياسات التعليمية المتعاقبة على هذه “المنظومة” قد فشلت بالمرة في إنقاذ المدرسة المغربية ، وهو ما أصبح يعرض الأجيال الصاعدة للخطر.
رغم كل المخططات والبرامج الإصلاحية التي تعاقبت على السياسة التعليمية بالمغرب خلال ستة عقود من الزمن المغربي، وكل الإمكانات المادية والموارد البشرية والجهود المبذولة من أجل الإصلاح التي استنزفت ميزانيات المغرب، بمئات الملايير من الدرهم إن لم نقل بالآلاف، انتهت إلى الفشل الذي أعلن / يعلن اقتراب التعليم المغربي من “السكتة القلبية”.
• في تقرير التنمية البشرية لعام 2013 الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تحذير مخيف للسياسة التعليمية بالمغرب، يؤكد بالأرقام المستوى المتدني للتعليم والمتعلمين في المغرب الراهن.
• وفي الدراسة الدولية لقياس الاتجاهات في الدراسة العالمية للرياضيات والعلوم TIMSS،كشف واضح عن المراتب المتأخرة جدا للمدرسة المغربية التي أصبحت تحتل أسوء أداء في القراءة العلمية.
• وفي تقرير لمنظمة اليونسكو، عن التربية والتعليم بالمغرب حقائق صادمة عن واقع السياسات التعليمية بالمغرب الراهن التي أصبحت تحتل المراتب المتأخرة في أغلب المؤشرات التربوية مقارنة مع المنظومات التربوية لأغلب الدول العربية والإفريقية
• يعني ذلك بوضوح، أن السياسة التعليمية في عهد الاستقلال، أدركت فداحة الفشل وأن الإصلاحات التي دبرتها للمنظومة التربوية خلال الستين سنة الماضية، أدركت هي الأخرى الفشل الذريع، إن مكمن الخلل في الإصلاحات المتعاقبة على منظومة التعليم، يتجسد في نظر العديد من الباحثين في علوم التربية، في كونها لم تصل إلى عقل التلميذ / الطالب / محور العملية التربوية، وهو ما يفرض على السياسات التعليمية اليوم مراجعة كل الاستراتيجيات والمخططات التربوية التي اعتمدتها هذه السياسة في زمن الاستقلال، واستحضار كافة الأسباب التي أدت إلى الفشل قبل القيام بأي خطوة جديدة للإصلاح.
ودون شك، أن إصلاح منظومة التعليم في المغرب الراهن / في الألفية الثالثة لا يتطلب الترقيع، بقدر ما يتطلب توجيه الجهود وتسخيرها لتطوير عملية التربية والتعليم وتحسين مناهجها في مختلف المراحل الدراسية، مع إيلاء المؤسسة المدرسية مزيدا من العناية بإعادة النظر في محتوى مناهجها لجعلها مواكبة لعصرها ولتطلعات الشعب المغربي في البناء الحضاري، خاصة وأن الزمن الراهن يتميز بأهمية المعلومات وبثورة الاتصالات الإلكترونية والتكنولوجية، حيث أصبح التعليم هو السبيل الوحيد للتحكم في مسار التنمية ورسم خريطة المستقبل أمام الأجيال الصاعدة.
إن المدرسة والإعدادية والجامعة في زمن العولمة، تهيئ التلميذ / الطالب إلى تقبل المعرفة الحديثة وأساليبها المستقبلية / إلى إظهار قدراته واستعداداته النفسية والعقلية للمشاركة والإنتاج والتفاعل / إلى التركيز على قيم الأنظمة المعرفية، وعلى المناهج العلمية والمنطقية التي تؤهله بدورها إلى المعرفة والشغل / إلى تنمية تفكيره العلمي وقدراته العقلية، من أجل المشاركة الايجابية في المجتمع المحلي والإنساني / إلى غرس التعليم الذاتي والتفكير الناقد لسلوكيات حياته اليومية / إلى التمسك بالتراث الروحي والثقافي من أجل تحصين هويته.

إن بناء الأجيال يتطلب من المدرسة / الإعدادية / الجامعة، إكساب التلاميذ والطلبة وكافة المتعلمين، القيم الروحية والثقافية والعلمية لتغيير هيكل المجتمع وتشكيل سماته وثقافته وتأهيل عناصره البشرية للدفع به إلى الرقي والنهضة والتنمية والتحضر، ذلك لأن نهضة المجتمع وتطوره محكومة بالمدرسة ومناهجها التي تشكل الأجيال الفاعلة، وهو ما لم تستطع السياسات التعليمية في بلادنا تحقيقه، رغم الجهود والإصرار .

لماذا…؟
ذلك هو السؤال الذي على الدولة المغربية الإجابة عنه بوضوح وصراحة وشفافية، من أجل تجاوز المرحلة الفاشلة…والالتحاق بزمن الألفية الثالثة.

Leave a Comment