مجتمع

قضايا كبرى، وقضايا صغرى

 

image             ذة/ صالحة حيوني

 

عندما أقرأ تاريخ بعض الاختراعات والاكتشافات، تدهشني قدرة بعض الناس الذين يستغرقون سنوات طويلة من أعمارهم في إنجاز شئ قد يبدو لنا ضئيلا وبسيطا ، وأحيانا بلا معنى ، كأن يستغرق أحدهم سنوات كثيرة من عمره في ابتكار قفل باب غير قابل للخلع ، أو اختراع آلة صغيرة لتقشير الخضار،أو حتى اختراع حفاظ طفل يرفع عن الأمهات العناء ….وأحيانا ، دراسة خاصية حشرة واحدة من ملايين الحشرات في هذا الكون الفسيح… وأحيانا يبدو لي هؤلاء ، وكأنهم ينظرون إلى الحياة من ثقب إبرة . ويذكّرني ذلك بالفيلم المصري الهزلي الذي يصرّ فيه البطل خريج الأدب العربي على أن يبقى عاطلا عن العمل،وأن لا يعمل إلا في اختصاصه ، واختصاصه هو ” حرف الجر حتى ” .

ولكن التفكير المتأنّي في الأمر يجعلني أتساءل ، أليس هؤلاء الذين يفكّرون في المسائل الصغرى ، هم الذين يعمّرون الأرض فعلا ، وما الحضارة إلا ذلك التراكم الحاصل من منجزاتهم الصغيرة ؟
ألسنا نحن فقط ، الذين نفكر في القضايا ” الكبرى ” من قبيل الله والوطن والعدل والدولة والديمقراطية والتطبيع …..عبئا على هذا العالم لأننا نفكّر في كل ذلك ، وينتهي بنا الأمر ، والعمر ونحن نفكر فقط ؟

وعندما أتأمل سلوك المواطن الغربي من خلال ما يتناهى إلينا من ثقافتهم ، أجد أنه قد لا يخطر على باله أبدا أن يتساءل عن معنى الوطن والانتماء ، ولكنه على الأرض لا يرمي بعقب سيجارة ، ولا يشق مقعد الحافلة بالسكين .. للوطن عنده حضور واقعي وفعلي ..يكمن في الجزئيات وفي التفاصيل ، فما حاجته إلى التفكير ؟ ألا يمكن ـ مع احترامنا لكل العقول المفكّرة ـ أن يكون ذلك الاستغراق في القضايا الكبرى مجرد حيلة نفسية نخفي بها عجزنا عن إنجاز شئ حقيقي مهما كان صغيرا ؟

أظننا إذن ،في حاجة إلى الانزياح قليلا عن ” قضايانا الكبرى ” والتفكير على نحو أنفع في ما يمكن أن ننجزه فعلا ، وأن نتخذ لأنفسنا قضية صغيرة ، ولوكان ذلك في حجم مسمار .

Leave a Comment