ثقافة

فن تلازم الصورة والصوت في فيلم ” البُراق ” للمخرج محمد مفتكر

 

Amina RAIF

آمنة رئيف

 

الشخصيات :
ريحانة :
قامت بتشخيصها الممثلة “ماجدولين الادريسي” وهي فتاة في مقتبل العمر اضطرت للتظاهر بكونها فتى اسمه المهدي، وتعرضت للاغتصاب من طرف ابيها.

الاب :
“ادريس الروخ” هو الذي قام بأداء هدا الدور وهي شخصية متجبرة ومتسلطة لأنه ارغم ابنته على التخلي عن انوثتها ، وهو شخصية جبانة لأنه اقترف زنى المحارم.

زايد:
الذي كانت تجمعه علاقة حب عفيفة بريحانة مند سن الطفولة، وقد لعب هدا الدور “الياس الباز”.

التحليل :

تطغى لغة الظلم والقهر والموت والخوف والنهاية الغير متوقعة في هدا العمل السينمائي. فقد استهل المخرج هده القصة بالحب العذري الذي نشأ وترعرع خلال تعارف ريحانة بزايد من جهة ، ثم حديث الصورة والتركيز على الظلام والضوء كتقنية في هدا العمل من جهة اخرى.

فالظلام يشكل جهل الشخوص في هذا السرد السينمائي ؛ اما الضوء فهو الرقي الى الادراك والمعرفة. وتلتقط الصورة وجوه الشخصيات وبراعتها في التعبير عن “الحب، الكراهية”، “الفرح والغضب”. هدا بالاضافة الى ان تقنية الصورة باتت جميلة ؛ فالكاميرا تجوب انحاء المشاهد الدرامية وتركزعلى وجوه الاطفال ونظراتهم المعبرة ؛ اد ان حديث الصورة كان ابلغ خطاب في هده الحبكة السينمائية.
هدا الفيلم هو رؤية فلسفية وجودية اد كانت ريحانة تسال “شكون انا” و “فين انا” “وانتي شكون”. فكانت أفكار الجنون والجنس ومختلف الظواهر الفنية كالموسيقى حاضرة بقوة؛ حيث تعاني كل الشخصيات،في هدا العمل ، من حرمانها من الحرية وبالتالي الشعور بالاغتراب. فالأب متسلط لا يحترم زوجته ويفرض آراءه بحيث تقوم ام ريحانة بمعية بعض النسوة بإخفاء محاسنها الانثوية كالثديين.

واغتصاب البطلة هو، في حد ذاته ، اغتصاب لطفولتها ولشبابها وحرمانها من حقها في التعليم ومن انوثتها التي سلبها اياها أبوها لأنه كان يريد ذكرا وليس فتاة وبالتالي ارغمها على ركوب الخيل متجاهلا رأيها. فالتركيز على الجنس الدكوري يعبر عن ظلم وإجحاف للمرأة ، اد جاء على لسان الأب “الرجلة كتصنع” و “الشيطان كيهدر بلسان المرا”. الا انه يحيلنا المخرج الى المشهد المعبر الذي كان يجمع بين نساء القبيلة والحصان ؛ فتسال ريحانة امها عن زايد التي اكدت لها ان كل الرجال قد ذهبوا الى الحرب لكنها كانت وهمية.

فبعد حادث اغتصاب ريحانة بات لها الحق في الحلم فقط. اد كانت عبارة “حلي عينيك” تتكرر في الحوار وهي موجهة لريحانة التي كانت ترى زايد في شخص أبيها فقد كان توهيم الصورة طاغيا هنا بشكل كبير لان كل الاحداث كانت مخزنة في ذاكرتها. وهنا يجعلنا المخرج نكتشف ان تلك الطبيبة هي ريحانة التي امضت عشرين عاما في مستشفى المجانين و هي تستيقظ على صوت ابنتها “زينب” حين لفظت عبارة “حلي عينيك”؛ ولهذا فالمصور يركز على العينين التي تشكل الانفتاح على العالم من حولها. هنا اغتصبت كل حقوق ريحانة ماعدا حقها في الحلم اد قالت للطبيبة: “خليني نحلم”. وعندما رأت الطبيبة ريحانة في المرآة وكسرتها؛ فهدا يرمز الى الثورة على الماضي اد ان تقنية الفلاش باك التي استعملها محمد مفتكر، هي في الحقيقة عبارة عن مونولوج داخلي.

تدور الاحداث هنا حول وجود قصة خنوثة أنثوية. اد يدعونا المخرج إلى رحلة نفسية مع الفتاة التي قامت بأداء هدا الدور”السعدية لديب”. وهوفيلم يتداخل فيه الخيال بالواقع والتعبير المجازي وكل هدا يحدث في غرفة المستشفى، الشبيهة بالسجن ، حيث الصور الجميلة ومزيج الخرافة ؛ الوهم والحقيقة. فشخصية ريحانة كانت تعيش فكرا اسطوريا وخرافيا يتمثل في “سيدي مول العود”، اضافة الى القصص الخرافية المحكاة من طرف والدتها التي كان مصيرها الضرب المبرح ، حين عبرت عن سخطها ازاء ما فعله زوجها بابنته عندما امتطت الحصان امام اناس القبيلة. هدا بالإضافة الى الكتابة على البيض وكسره اد تعبر عن ضعف المرأة وتعرضها للاستبداد.

عمد المخرج والسيناريست على صياغة هذا السرد السينمائي بتوظيف تقنية الهرم المقلوب؛ فالأهم هو اغتصاب ريحانة، و المهم هو قتل زايد، والأقل اهمية هوان كل هاته الاحداث كانت موجودة في ذاكرة الطبيبة ،المعالجة للفتاة،والتي يكتشفها الجمهور على انها هي ريحانة نفسها و ان زينب هي ابنتها وليست اختها. ففكرة الحمل هو رمز لميلاد عهد جديد في تاريخ السينما المغربية.

فكأننا بصدد مشاهد ة افلام هيتشكوك، المليئة بأساليب التشويق او افلام “ما وراء الخيال” لمحمد الكغاط والتي كان بطلها هشام الوالي او أمام فيلم” لوبيت ” من تشخيص أونطوني هوبكينز المختص في طرد الارواح الشريرة؛ إد اكتشف ان احدى المريضات قد اغتصبت من طرف ابيها. فقتل زايد من طرف الاب هو في حد ذاته، القضاء على احلام البطلة لأنها كانت تحب زايد حبا طاهرا وعفيفا؛ فكان هدا المشهد يشكل لحظة جنونها وبالتالي دخولها في عالم الاوهام. إد خيل لها انها اقامت علاقة مع زايد لكنها وللأسف كانت مع ابيها. فزنى المحارم نجده في جل الافلام العالمية لكن اختلاف الصيغة هي التي تطرح نفسها وتجعل الجمهور يتفاعل معها. فيصبح المتلقي مجتهدا ونشيطا في سبر اغوار الحقيقة وليس سلبيا او سطحيا يقوم فقط بتلقي المشاهد والحلول من طرف المخرج، هنا تكمن ازمة الرؤية السينمائية.

كذلك كان استعمال الموسيقى ذكيا تجلى في استحضار اغنية الأطلس؛ ولا عجب في ذالك فقد دارت احداث هذا الفيلم بمراكش. والبُرَاقُ هي دَابَّة ركبها رسول الله ليلةَ المعراج. وأيضا اختيار الاسماء لم يكن اعتباطيا ؛ فاسم “زايد” معناه بالامازيغية ” سِرْ ” لأنه قُتل ولم يكمل مشواره في القصة. اما اسم “ريحانة” فهي طاقة من الريحان والتي قوبلت بالضغط والكبت؛ اللذان ولدا الانفجار و الجنون. فالسينما لا تصنع الفرجة فقط بل هي وسيلة تحسيسية توعوية تعمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان وإشاعة الاحترام والتسامح.

Leave a Comment