العالم سياسة

سلطنة عمان : بوابة صفقة القرن

هشام معتضد، جامعي ومحلل سياسي

 

تكتم كبير طبع الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لسلطنة عمان، فمكتب رئاسة الحكومة الإسرائيلية لم يقم بنشر الخبر على المواقع التواصلية إلا بعد عودة الوفد الإسرائيلي، هذا الوفد يضم شخصيات وازنة من بينها رئيس الموساد يوسي كوهين و مستشار رئيس الوزراء لشؤون الأمن القومي مائير بن شباب. هذه الزيارة تأتي في إطار تحرك منسق لتنفيذ إستراتيجية إسرائيل الإقليمية، بمباركة أمريكية، للضغط على دول المنطقة العربية بالقبول السياسي للتطبيع العلني مع الحكومة الإسرائيلية.

زيارة نتنياهو لسلطنة عمان، و التي حظي من خلالها الوفد الإسرائيلي بإستقبال رسمي مرفوق بتغطية إعلامية حافلة بالطقوس الدبلوماسية للتطبيع الفعلي بين الدولتين، تعد رسالة سياسية هادفة إلى الإستعداد الكامل لسلطنة عمان بتحملها المسؤولية الكاملة للعب دور قنطرة التطبيع الفعلي بين إسرائيل و الدول العربية. فالغلاف الدبلوماسي لتبرير الزيارة و الإستقبال الرسمي الذي أعدته سلطات السلطان قابوس، يعد تمهيدا لفرض واقع جديد ينقل الحضور الإسرائيلي من موقع الظل السياسي في المنطقة إلى الحضور الرسمي على مستوى المنصات السياسية الرسمية في الوطن العربي.

فإذا كانت هذه التحركات الإسرائيلية جزء لا يتجزأ من بنود صفقة القرن، فإن إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي و الإعتراف بإسرائيل كدولة شرق أوسطية لن يمر عبر القنوات الرسمية و المؤسسات السياسية للدول العربية بقدر ما هو مرتبط بالضمير العربي لشعوب المنطقة بعيدا عن المواقف الرسمية و المؤسسات الحكومية.

إن الوضعية العربية الراهنة تمر بمرحلة ضعف سياسي و إنهيار في التوجهات الإستراتيجية و الإجتماعية نظرا لغياب حكامة في تدبير الشأن العام و واقعية سياسية في إتخاذ القرارات الصائبة. هذه السياسات أبانت عن عدم القدرة على طرح توجهات تقود المنطقة إلى الخروج من الإنهيار السياسي و فرض واقع أكثر قوة و مثانة أمامة التحولات التي تشهدها و تعيشها شعوب المنطقة برمتها.

إن العودة إلى تبريرات من قبيل الدفع بعملية السلام الفلسطيني الإسرائيلي لوجود أرضية جديدة للتفاوض، يعد من الخطابات الكلاسيكية و التقليدية التي تم إستهلاكها و لا يمكن أن تطمأن الشارع العربي للتغطية على هذا النوع من الإستقبالات، خاصة بعد تشخيص الوضع الميداني و الذي يستمر في معرفة تجاوزات لا تمت لخلق إطار يضمن أبجاديات عملية السلام بمفهومها الأمني و بعدها العرفي الدولي.

إذا كانت الدول العربية ستنهج خيار السياسة الواقعية في مقاربتها الجديدة في التعامل مع القضية الفلسطينية، خاصة في خضم وجود إدارة أمريكية براغماتية و بعيدة كل البعد عن أخذها بعين الإعتبار القيم التاريخية المنصفة للذاكرة العربية في تدبيرها للملف، فإن هذا التوجه سيصطدم بقيم الكرامة العربية التي لن يتنازل عليها الشارع العربي مهما كانت ميزة و ثمن صفقة القرن.

فبالعودة إلى بياني رئاسة الحكومة الإسرائيلية و الخارجية العمانية، يمكننا إستخلاص أن هناك حرص على إستمرار نفس النهج التواصلي في الدبلوماسية اللغوية من طرف سلطات سلطنة عمان، و ذالك بإستعمال مصطلحات فضفاضة و عامة دون الإفصاح عن الأهداف الفعلية للزيارة، خاصة و أنها جاءت بعد 18 عاما من إغلاق المكتب التجاري الإسرائيلي عام 2000 من طرف الحكومة العمانية.

فإذا كانت إسرائيل قد هودت القدس، بالإضافة إلى أن الرئيس الأمريكي إعترف بها عاصمة أبدية لإسرائيل، فإن الجانب الأخر من الإتفاقية المتعلق بصفقة القرن يخص إمتيازات إقتصادية و صفقات مالية لكافة الأطراف لتكريس عملية السلام و ذالك تحت ضغط أمريكي و تفعيل إسرائيلي. فالتحركات الدبلوماسية الإسرائيلية في المنطقة هدفها الرئيسي في الظرفية الراهنة هو كسب المزيد من التوافقات من طرف قادة و زعماء عرب سينخرطون في تنفيذ رؤيتها السياسية في المنطقة و لو على حساب المصالح الحيوية العربية. هذه الديناميكية الإسرائيلية تندرج في إطار دعم أمريكي، مطلق و غير مشروط، للرؤية الإسرائيلية و مؤسستها الإستراتيجية التنفيذية.

فالوضع القائم في معظم الدول العربية يعرف هشاشة إجتماعية و إحتقان سياسي، و هذا الجو السائد الذي يطبع العالم العربي يتم إستثماره سياسيا من طرف الحكومة الإسرائيلية لفرض المزيد من الضغوطات لتنفيذ أهدافها الإستراتيجية. لذالك فإن الساهرون على تحمل مسؤولية تدبير الشأن العربي ملزمون أكثر من أي وقت مضى أن يحرصوا على العمل بمبادئ و قيم الأمة العربية في الحفاظ على مكتسباتها و إسترداد مستحقاتها المشروعة. فإذا كانت المنطقة العربية تجتاز ظروف إجتماعية و سياسية جد صعبة، فإن ذالك لا يجب أن يشكل ذريعة للتساهل مع المبادئ و القيم التاريخية لنشأة الأمة العربية و الدفاع عن حقوق شعوبها لحفظ الكرامة الإنسانية لأمة قاومت من أجل الدفاع عن وحدة أراضيها.

Leave a Comment