المغرب ثقافة

تأصيل اللوحة المغربية…إلى أين…؟

 محمد أديب السلاوي

 

عندما نطرح هنا مسألة تأصيل اللوحة المغربية تراثيا، بسماتها وطابعها ومميزاتها وتفردها، نجد الكثير من الأعمال التي تنتمي للحركة التشكيلية المغربية تحاول الاتكاء على هذه السمة، سواء في سيكولوجية اللون أو في أبعاد الخط والزخارف والنقوش والرموز أو في تعاملها مع الوحدات الهندسية/ المعمارية والزخرفية الأخرى، للوصول إلى هدف المغربة/ التعريب/ والتأصيل.فالتراث، من وجهة نظر هذه الأعمال، هو المحصلة النهائية للجهد الجمعي عبر أحقاب التاريخ المتتالية، والذي لم يتح لنا، بحكم موقعنا الزمني/ التاريخي مشاهدة ما تبقى منه، في الإنسان، وفي الطبيعة، وفي المعمار، وهو بهذه الصفة يشكل أحد الجسور القوية التي تربطنا بالماضي، والمستقبل في نفس الآن.
وبالنسبة للمغرب، الذي يعتبر منبعا هاما من منابع العطاء الانساني منذ ما قبل التاريخ، وحتى اليوم يستطيع الفن التشكيلي في الزمن الراهن، من وجهة نظر هذه الأعمال، إن يرصد الإرث الحضاري بكل تفاصيله، ليس فقط عبر الشهادات الكثيرة المتبقية على الطبيعة، ولكن أيضا على مساحة المجتمع المغربي الذي ما يزال رغم التغيرات الطارئة، يحتفظ بتقاليده الذاتية والتراثية الكثيرة، مما يجعل هذا الرصيد مجالا حيويا، إبداعيا، طليعيا، في استطاعته تأسيس رؤية جديدة للفنون التشكيلية، ولبيئتها.
من هنا، تأتي الأسئلة المحورية الصعبة، التي يتصل بعضها بكيفية التعامل مع التراث… ويتصل بعضها الآخر، بمستوى هذا التعامل.إلى أي مدى كان الفنان المغربي واعيا بأهمية تراثه الحضاري/ الثقافي من أجل بلورة وتكريس هويته الإبداعية؟كيف له أن يحقق المعادلة الجادة بين الأصالة والمعاصرة في تعامله مع هذا التراث؟وأين يقف من الشروط الموضوعية التي يتمحور حولها تعامله مع تراثه/ هويته؟
إن أعمال الفنانين أحمد الشرقاوي/ محمد المليحي/ ميلودي/ محمد حراك/ ابراهيم حنين/ عبد الله الحريري/ محمد البوكيلي/ لطيفة التيجاني/ أحمد بلمقدم/ مصطفى السنوسي/ عبد الحي الملاخ/ وغيرهم()، تقدم لنا في الكثير من نماذجها، صيغا متفاوتة للحروفية العربية/ الأمازيغية، أنها في تعايشها “لهذا التراث” حاولت/ تحاول إن تحكى بأساليب مختلفة، الأساليب والرؤى لتراثها المميز/ لتاريخها الحضاري العريق().ولأن ما حققته أعمال هؤلاء الفنانين من جاذبية، كان مبهرا للعين، داخل الفضاءات المغربية وخارجها، استطاعت بسهولة جذب العديد من الأسماء الشابة في المجال التشكيلي إلى فضاءات هذا التراث، وهو ما أعطى الحروفية حضورا وازنا في المشهد التشكيلي المغربي، يمكن قراءته نقديا/ جماليا ثقافيا، بصيغ متعددة، ما للحرف العربي/ الأمازيغي من شحنات فنية لا حدود لها/ ولما له من إيحاءات وتصورات وخيالات وإيقاعات متحركة، لا حدود لها أيضا.ولابد من الإشارة هنا، أن أعمال الفنانين الشباب الحروفية، لا تنفي عن نفسها صفة البحث عن صيغ إبداعية تؤدي بها إلى فهم أحسن وأفضل لدورها الثقافي في المرحلة الراهنة، إنها من جهة تتيح للقارئ التشكيلي المهتم والباحث المختص، مادة خصبة ترية، للتعرف على خصائص هذا التراث، ومقوماته الفكرية والفنية.
ومن جهة ثانية تعكس الاهتمام الفني بقضية التناغم الثقافي والاجتماعي والإنساني في المجال التشكيلي المعاصر، مؤكدة على وعي الجيل الجديد من الفنانين بالقضية التراثية الشاملة في ثقافتنا العربية المعاصرة.
على مستوى التراث المعماري الإسلامي، تستوقفنا في هذا الاتجاه نماذج حسن العلوي/ محمد السرغيني/ محمد جريد/ محمد الحمري/ مصطفى بوعبيد/ مريم مزيان (من الرعيل الأول)/ ليس فقط بغناها اللوني أو بحرفيتها المتفوقة، ولكن أيضا بإلحاحها الشديد على تسجيل التراث المعماري/ الهندسي، عبر الشهادات التي مازالت متبقية على الطبيعة.
من خلال أعمال هؤلاء الفنانين، نتعرف على الوحدات الهندسية، التي انطلقت أشكالها قبل مئات السنين في المدن والقرى العتيقة، أو في الصحاري البعيدة، عبر الآثار البربرية/ الإفريقية، أو عبر حضارة الشرق/ حضارة الأندلس بكل تفاصيلها الجمالية/ النفسية/ الروحية، باعتبارها تراثا وطنيا عريقا، يجسم لنا ملامح هويتنا الثقافية.فمن خلال الأقواس والقباب والمنحنيات والمنمنمات والنوافذ والنحوث والنقوش الخشبية والنقوش الجبسية والحجرية والمسطحات الجمالية، يمزج هؤلاء الفنانين بحيوية، الماضي، عبر مداخل بصرية واضحة (تركيبية) تتجه إلى الجذور الهندسية: الدوائر/ الخطوط العريضة الرأسية والأفقية ليستخرجوا منها صورة ذلك الماضي بهندسيته ومناعته، إن الوحدة الهندسية في الكثير من هذه الاعمال كالفكرة الواحدة، تنتقل من بعد لآخر، وتربط الصورة بالصورة والفضاء بالفضاء في هارمونية شديدة الشبه بالهندسية الثقافية/ الجمالية المستهدفة.
الأمر لا يختلف عند الفنان الفطري محمد بن علال، وخاصة في أعماله التكوينية، إنه على إغراقه في التسطيح، حاول أن يتعامل مع الوحدات الهندسية من خلال إشكالها المتداخلة، ومن خلال تناغمها اللوني، ليعبر -انطباعيا- عن جذور الماضي بوضوح انتمائي.
إن عنصر الاختلاف الوحيد بينه وبين باقي الفنانين في هذا الاتجاه، يتجلى في إصراره على تجميد الزمن في حين يصر حسن العلوي/ جريد/ بوعبيد على تحريك الزمن وانطلاقته حيا على القماش. الزمن هنا لا يعني مطلقا إثبات هوية العصر الذي تعبر عنه اللوحة، بقدرما يعني استفادته من سمة التفتح التشكيلي، فالقباب والصوامع والفتحات الجذارية والأقواس، تبقى في نهاية المطاف عند المرحوم محمد بن علال رموزا ماضوية ساكنة، تجمد الماضي بشكل ملفت للنظر وتقدسه، أكثر مما تستقرؤه أو تنخرط في عوالمه.-

في هذا المضمار، تشكل أعمال الفنانين عزيز برحو/ عزام مدكور/ المرحوم محمد دواح، نسيجا مستقلا ونقلة نوعية في مجال البحث التشكيلي التراثي. إن الرموز التراثية، الممتدة من الحرف إلى القباب، ومن الفضاء إلى النقوش، والتي تنبعث كالاشارات الضوئية من خلفيات المشاهد، التي تتوضح شيئا فشيئا في الأحجام الأمامية، وتتوحد مع نسيج الذكريات الطفولية الخاصة، (مسجد/ سور المدينة/ البيوت الطينية/ النقوش الصحراوية العربية)، إذ تصبح الصورة البصرية (تجريديا) مجزأة إلى تفاصيل صغيرة، على امتداد لوني/ تشخيصي، تعطى الانطباع أن الأسس البنائية في هذا البحث لا تستمد وعيها من التراث الماضي الذي ما يزال متحركا حيا في البيئة المعاصرة فحسب، وإنما تستمده من قيمة هذا التراث نفسه.الاختلاف الشكلي/ الأسلوبي/ المدرسي بين الفنانين الثلاثة، لا يمس تعاملهم مع التراث وحده، وإنما يمتد إلى الرؤى الفنية الذاتية، وهذا في حد ذاته يعد مكسبا مهما لاستقلالية هؤلاء الفنانين، فالاختلاف في الرؤى والتعامل لا يمس التراث في هويته وجوهره، بقدرما يتجه إلى تسجيل ورصد هذا التراث من خلال رؤاهم الفنية الذاتية.ينخرط في هذا الاختلاف من جانب آخر، الفنان أحمد قريفلة والفنان إبراهيم عامري.

لأول يمزج “الوحدة الهندسية” بالكائن البشري، من خلال الخطوط العريضة والعناصر الأساسية لتفكيره وتعامله مع التراث، وتأثره به.والثاني يختصر الوحدة الهندسية في مدخل عام، يطل من خلاله على التحولات التي طرأت على هذه الوحدة من خلال تشكيلها التجريدي.إن رؤيتهما الأسلوبية لا تتصل في أعمالهما التشكيلية برؤيتهما للتراث، وإنما تنفرد بنزوعها إلى التعبير عن العلاقة المميزة بين الفنان المبدع، وتراثه، واستجابتها لدواعي الفطرة وقوانين الحياة المتحركة، إنهما يرفضان الحدود بين هذا الكائن وفضائه التراثي يلتجئان إلى التخريج والتلبيس والتأويل، وإلى اختصار هذا التراث في رموزه التجريدية المميزة، ولكنهما ضمن هذا “الاختصار” يغامران في قراءة تكاد تكون منهجية من حيث الطرح، والاستقصاء… وتكاد تكون موحدة في الأسلوب وفي طريقة هذا الطرح/ الاستقصاء.

Leave a Comment