سياسة

النظام الانتخابي في كندا- ج 3 ( تمويل الأحزاب السياسية و مسؤولية المواطن امام الاستحقاقات الانتخابية )

     بقلم: الشيخ حسن غية

مهندس و محامي متقاعد

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة تحدثنا عن النظام السياسي في كنداوكيف أنَّ السلطات التشريعية موزعة بين البرلمان الاتحادي، بشقيه مجلسالعموم ومجلس الشيوخ، من جهة وبرلمانات المقاطعات والأقاليم من جهةاخرى حسب تقسيم يحدده الدستور الكندي. وتحدثنا عن فصل السلطاتبحيث تتولى البرلمانات السلطة التشريعية  بينما تتولى الحكومات السلطةالتنفيذية سواء كان ذلك على المستوى الاتحادي أو مستوى المقاطعاتوالأقاليم كلُّ في المجال الذي يحدده الدستور. و أشرنا ايضا إلى أنَّ السلطاتالتي تتولاها المجالس البلدية هي سلطات مفوضة لهذه المجالس من قبلالحكومة و البرلمان في المقاطعة و أشرنا الى ما يقوله أهل القانون بأنَّالبلديات هي صنيعة برلمان المقاطعة.

وفي الحلقة الثانية تحدثنا عن كيفية اختيار الأحزاب السياسية لمرشحيها فيالانتخابات.

 في هذه الحلقة سنتحدث عن تمويل الأحزاب السياسية و عن مسؤوليةالمواطن أمام الاستحقاقات الانتخابية.  

تمويل الأحزاب السياسية:

طريقة تمويل الأحزاب السياسية في كندا يحددها القانون.  طبعا القانونالاتحادي يحدد هذا الموضوع و يطبق بالطريقة نفسها على جميع الأحزابالتي تعمل على الصعيد الفدرالي الكندي في جميع أنحاء كندا. أمَّا الأحزابالتي تعمل على صعيد المقاطعة وعلى الصعيد البلدي فتنطبق عليها قوانينالمقاطعة، و هذه القوانين تختلف من مقاطعة الى اخرى. القوانين سواء أكانت على الصعيد الاتحادي أو على صعيد المقاطعة فإنَّها تتغير و تتطور بشكلعام مع تطور المجتمع. لهذا نُنَوِّه انه ليس بإمكان هذا المقال ان يفصِّل كلحيثيات هذه القوانين و لا يستطيع المواطن ان يُعَوِّل على هذا المقال فقطليقرر كيف سيدعم ماليًّا هذا الحزب أو ذاك.  المقال سيشرح بشكل عام مبدأتمويل الأحزاب السياسية في كندا و يترك للمواطن مسؤولية مراجعة السلطاتالمختصة لمعرفة التفاصيل و القوانين السارية المفعول في الزمان و المكان الذييهم هذا المواطن.

فيما مضى لم يكن تمويل الأحزاب السياسية مقننًا، وكانت الشركات والاثرياء و مجموعات الضغط، ومنها النقابات، يمولون الأحزاب السياسية والانتخابات في البلاد، و كانت النتيجة السيطرة المباشرة أو غير المباشرة التييحظى بها ويمارسها الممولون على الحكم تحت ستار الديموقراطية. هذهالسيطرة كانت تؤدي في كثير من الأحيان إلى الفساد و المحسوبية كما هو الحال في هذه الأيام في كثير من بلدان العالم الثالث التي تدعيالديموقراطية.  هذا ما دفع القيادات السياسية للعمل على وضع حد للفساد والمحسوبية عن طريق إصدار قوانين تضع ضوابط لمسألة تمويل الأحزابالسياسية.  لقد اصدر البرلمان الفدرالي وبرلمانات بعض المقاطعات، و منبينها مقاطعةكيبيك، قوانين في هذا المجال؛ و هذا ما سنُرَكِّز عليه في هذاالمقال دون الحديث عن المقاطعات الأخرى و ذلك بحكم وجودنا في كيبيك وحتى لا نثقل المواطن بتفاصيل قد لا تهمه.

تتشابه القوانين المتبعة على الصعيد الفيدرالي و على صعيد مقاطعة كيبيك منناحية الأهداف و إن كانت تختلف في التفاصيل و من ناحية الأرقام. و كماأشرنا في الحلقة الأولى، السلطات التي تمارسها البلديات تُمْنَح لها منقبل البرلمان و الحكومة في المقاطعة و بالتالي فإنَّ القانون الذي يضبطمسألة تمويل الأحزاب السياسية على الصعيد البلدي هو قانون المقاطعة.

سواء على صعيد المقاطعة في كيبك أو على الصعيد الفدرالي يتم تمويلالأحزاب عن طريق تبرعات المواطنين،ولا يحق للمؤسسات أو الشركات أوالنقابات أو مجموعات الضغط الاخرى أن تتبرع للأحزاب السياسية و لا يحقلهذه الأحزاب ان تتلقى التبرعات من هذه الجهات.  كما أنَّ هناك حدٌّ أقصىلما يحق أن يتبرع به أيُّ مواطن للأحزاب السياسية خلال العام، و قد يختلفهذا الحد بين عام انتخابي و عام غير انتخابي.  يحق للمرشح أن يتبرع أيضاو لكن هنالك حدٌّ أقصى أيضًا للمبلغ الذي يحق له  ان يتبرع به.  هنالك اعفاءضريبي لجزء من المبلغ المتبرع به.  الحكومة تعوض الحزب الذي يحصل علىنسبة معينة من أصوات الناخبين جزءا من مصاريفه الانتخابية.

مسؤولية المواطن أمام الاستحقاقات الانتخابية:

الممارسة الديموقراطية حق لكل مواطن، و يقع على عاتق المواطنين مسؤوليةاختيار القيادة التي تسن القوانين و تدير دفة الحكم في البلاد.  في كثير منالأحيان و في كثير من البلدان بما فيها كندا يتفنن المواطنون في انتقادالحكام و المسؤولين بينما يتقاعسون عن القيام بدورهم في الاستحقاقاتالانتخابية حيث بامكانهم أن يُحْدثوا التغيير الفعلي الذي ينشدونه.  إنَّتقاعس المواطنين عن ممارسة حقوقهم و القيام بواجباتهم في اختيار القيادةومراقبة هذه القيادة يؤدي الى اختيار قيادات غير جديرة بحكم البلاد و هذا مايكون له أثره السلبي على الوطن و المواطن على حد سواء.  أمَّا الانتقاد وقت لاينفع الانتقاد، و الاحجام عن تحمل المسؤولية الانتخابية لاختيار القيادة فلا يجدي نفعًا. وكما يقول المثل أو الحكمة المعروفة، أن تشعل شمعة خير الف مرةمن أن تلعن الظلام.

بامكان المواطن ان يقوم بدوره بعدة طرائق:

١دراسة برامج الأحزاب السياسية و السياسيين المرشحين للانتخابات ومساءلة هؤلاء المرشحين و مقارنة هذه البرامج لمعرفة أَيّها اكثر نفعا للمجتمع وأيُّها قابل للتطبيق و أيُّها لا يتعدى كونه دعاية انتخابية. طبعا البرامجالانتخابية قد تكون في كثير من الأحيان معقدة في تفاصيلها فهي تتحدث عنالإدارة الكاملة للبلاد ليس فقط من الناحية السياسية وإنَّما من جميعالنواحي:  الاقتصاد، البيئة، المواصلات، الأمن، الصحة، التعليم، الثقافة،العمل، الصناعة، الزراعة وغير ذلك من الأمور.  طبعا بالاضافة الى كل هذهالقضايا التي تهم كل المواطنين فإن هنالك قضايا حساسة تخصنا كأقليةتشكل مكونا أساسيا من مكونات المجتمع.  من هذه القضايا التي تهمناكغيرنا من أبناء الأقليات هي نظرة كل من الأحزاب المتنافسة في الانتخاباتلطريقة التعامل مع حقوق الأقليات و قضايا الحريات بما فيها حرية المعتقد وحرية الممارسات الدينية.  لا بد للمواطن لكي يستطيع ان يدلي بصوته فيالانتخابات بطريقة حكيمة و بنّاءة من الإحاطة بكل هذه الأمور.

٢التعرف علىالمرشحين بشيء من الدقة ليستطيع المواكن معرفةمصداقية كلٍّ منهم ومعرفة أيهم أهل للثقة و جدير بأن يحصل على صوتهفي الانتخابات وأيهم لا همَّ له إلا الفوز في الانتخابات.  مما لا شك فيه أنَّ المرشحين كلهم يريدون الفوز في الانتخابات و هذا أمر طبيعي ومنطقي وصحي.  و لكن هنالك من يدخل المجال السياسي ليخدم المجتمع و أبناءه وهنالك من يدخل المجال السياسي ليخدم نفسه. وعلى المواطن الحريص علىمستقبله و مستقبل المجتمع أن يعمل جاهدًا للتمييز بين من يريد خدمة المجتمعومن يريد خدمة نفسه فحسب، فينتخب الأول منهما.

٣بإمكان المواطن الذي يجد في نفسه الكفاءة لخدمة المجتمع من موقعالقيادة أن يرشح نفسه للانتخابات. و لكن على من يريد أن يقدم نفسه لموقعالقيادة أن يضع نصب عينيه أنَّ المسألة ليست قضية مناصب بقدر ما هيقضية مسؤولية.  هنالك أمور عديدة لا بد ان تؤخذ بعين الاعتبار قبل الترشح،و تلخص بثلاثة أمور:  الأمر الأول هو الهدف من الترشح في الانتخابات،والأمر الثاني ماذا يريد أن يحقق عند الفوز بالانتخابات والأمر الثالث هو إمكانية الفوز في الانتخابات من عدمه.  هنالك علاقة عضوية بين هذه الأمورالثلاثة و لكن لا بد من دراستها قبل الأقدام على تجربة قد تغير حياة هذاالمواطن و حياة الكثيرين من حوله. و الإجابة على هذه الأسئلة تحدد ليس فقطقرار الإقدام أو الاحجام عن الترشح وإنّما تحدد ايضا على اَي مستوىيترشح هذا المواطن: المستوى الفدرالي، أو مستوى المقاطعة أو المستوىالبلدي.  كما أنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد الحزب الذي يترشح المواطنعلى لائحته.  كما أشرنا في الحلقتين السابقتين ليس هنالك في القانون مايجبر المواطن على الترشح باسم حزب معين أو منعه من الترشح كمستقل ولكن حظوظ النجاح بالنسبة لمن يترشح كمستقل شبه معدومة.  لذلك منأراد ان يترشح مؤملا الفوز في الانتخابات والتأثير في القيادة من داخلالبرلمان أو المجلس البلدي عليه ان يختار حزبا يترشح على لائحته.  أمّا منأراد ان يترشح ليستفيد من الدعاية الانتخابية للدفاع عن قضية معينة للمساهمة في تثقيف المجتمع و التأثير على الرأي العام على المدى الطويلدون الأخذ بعين الاعتبار احتمالات الفوز أو الخسارة في الانتخابات فبإمكانهان يترشح كمستقل.

المواطن الذي يريد ان يترشح على لائحة حزبية عليه ان يختار اَي الأحزابأقرب إلى مبادئه من غيره و في اَي حزب بامكانه ان يخدم مبادئه و مجتمعه.  لا أتصور ان اَي مواطن سيجد حزبا يلائم كل مبادئه لذا عليه ان يختارالحزب الأكثر ملاءمة أو الأقرب إلى مبادئه فالسياسة هي فن الممكن.  عندما يختار المواطن الذي ينوي الترشح الحزب الذي يرغب الترشح علىلائحته عليه ان يتعرف على الطريقة التي يتبناها هذا الحزب لاختيار مرشحيهكما بينا في الحلقة الثانية.  

٤ضرورة المساهمة في تمويل الأحزاب السياسية كوسيلة مهمة من وسائلممارسة الحقوق الديموقراطية في هذا البلد، وهذه من الأمور المجهولة والمهملة من قبل الكثيرين من المواطنين وخاصة الموطنين الوافدين من مجتمعاتٍتغيب عن ثقافتها الممارسة الديمقراطية.  كثيرا ما اسمع  من يتذمر وينتقد المرشح الذي يطلب التبرعات لحملته الانتخابية.  لقد اصبح أمرا معتاداسماع بعض أبناء الجالية يقولونفلان يريد ان يعمل زعيم على ظهري.  لماذا لا يدفع من جيبه اذا أراد ان يصبح نائبا“.  إنَّ هذا التصور يدل علىعدم الدراية بالنظام الانتخابي الكندي.  كما بينا في بداية هذه الحلقة تمويلالأحزاب السياسية و النشاط الانتخابي حسب القوانين المتبعة في كندا يتمعن طريق مساهمة المواطنين. هنالك حد أقصى للمساهمة التي يسمح فيهاللمواطن وللمرشح؛ إذ لا يحق للمرشح ان يمول حملته الانتخابية من جيبهحتى و لو كان موسرا و قادرًا على ذلك. بالاضافة الى ان تمويل المرشحلحملته من جيبه الخاص غير مسموح به قانونيا فإنَّ هذا يتعارض معالأهداف الاساسية للانتخابات الديمقراطية.  أولا هذه الممارسة، لو كانتممكنة، لجعلت السلطة حكرًا على الأثرياء ولحرمت المجتمع من كفاءات منقلَّ ماله مهما كان المجتمع بحاجة الى هذه الكفاءات.  من ناحية اخرى، الذييصل الى البرلمان بماله الخاص قد تسول له نفسه استعمال موقعه فيالمسؤولية لاسترجاع ما دفع من أموال و ربما اكثر مما دفع كما هي الحالفي بلدان العالم الثالث حيث تحولت الانتخابات و السلطة الى تجارة.  انعقلية اجبار المرشح على تمويل نشاطه السياسي من جيبه تسهم بطريقةمباشرة أو غير مباشرة في صناعة القيادات الفاسدة و المفسدة التي تعانيمنها المجتمعات ويتذمر منها الجميع. من هنا يتبين أنَّه لا بد للمواطنالحريص على ممارسة حقوقه الديموقراطية من القيام بدوره في تمويلالأحزاب السياسية و العملية الانتخابية.

 

Leave a Comment