مجتمع

الميترو العلماني

   فيروز فوزي

 

جاليليو عرف منذ بداية مساره العلمي ان طريق شغف الاكتشاف وحب استنباط حقيقة مغايرة للدغماىية السائدة ليس بالمشوار السهل. لقد تعرض لابشع ألوان العذاب لانه آمن بحتمية تغيير ما تعودت عليه الأساطير . هذا المثال عن جاليليو وآخرين يجعلنا نساءل مستوى تقبلنا وتراحمنا مع اخرين قد لا نتفق معهم وقد يشكلون أضدادا لمعتقداتنا الا اننا ملزمون ومن معطى انساني استيعاب مكنونات الآخرين والتعامل مع التجارب الإنسانية بروح من الوعي بالذات أولا و فهم ذوات الآخرين .

لايخلو يوم من موقف معبر يعكس كم هي وسائل المواصلات مخبر حقيقي لقيم التعددية والاختلاف والتعايش بمختلف مستوياته في المجتمع الكيبيكي، لم أتصور قط أن موقفا كهذا الذي وقع أمامي اليوم داخل المترو، سيجعلني في اختبار داخلي فعلي لقدرتي على تقبل الاختلاف والتسامح مع تجلياته الأكثر جذرية، ثلاثة شباب في العقد الرابع من العمر أمامي في لحظة حميمية مباغتة، الأول في وسط المجموعة يقبل الثاني في فمه وفي نفس الوقت يضع يده على مؤخرة الثالث، مشهدية سوريالية تدفع بكل مفاهيمك للتسامح والتعايش إلى حدودها القصوى … مذهولة بين الركاب من مختلف الأصول والانتماءات العرقية والدينية والثقافية تجمعنا قاطرة الميترو نشترك الفضاء والزمن ومن غير أن يقصد أحد فثمة مجتمع كيبيكي مصغر داخل الميترو بجميع سماته وملامحه وتحديداته يجد لنفسه مناخا للتسامح مع هويات كل من يكونه واختياراته مالم يتدخل في حرية وخصوصية الجميع بما هم في نهاية المطاف أفراد مستقلون ويتقاسمون المجال العام ولهم داخله نفس الحقوق وعلى القدر نفسه من الالزامات والواجبات . مثل هذه المواقف وغيرها في المواصلات العامة وغيرها من الأماكن تجعل أي وافد جديد يتعلم كيف يصبح مواطنا في المجتمع الكيبيكي ويكتسب أسلوب العيش المشترك مما يعاينه من ممارسات ومظاهر التي يحترمها من وازع اقتناع ذاتي واستعداد قبلي للوقوع في اختبارات وبل صدمات أولى كتلك التي وقعت فيها أمام منظر العلاقة الثلاثية المثلية …

Leave a Comment