ثقافة

الموجة الثالثة

 الدكتور ناصر السوسي

 

ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام ومدعاة في ما أحسب للتفكير وإعمال النظر مفادها أننا نعيش في زمن يجمع الكل من الشرق و الغرب على توصيفه بعصر الانفجار المعرفي و يقصد به بأن من يتملك اليوم المعرفة هو من يستطيع التحكم في مآل العالم ..و بتعبير مارتن هايدغر؛ وهو من الفلاسفة الكبار الذين حاوروا العصر من خلال تساؤلات استفهامية وجيهة ؛ من يمتلك التقنية / المعرفة هو من يستطيع اليوم تفهم العالم و المساهمة في التحكم في مصيره و تفجيره أيضا و هذا بالفعل ما يشهد عليه ما يسمى ب ” النظام الدولي الجديد ” الذي نحا منحى الانشغال بالقضايا الهوياتية و الثقافات الفرعية و أمور الأقليات … بالدفع بها صوب التعبير عن نفسها بكل الطرق وشتى الكيفيات غاية في إخراج كل مكبوتاتها التاريخية الدفينة إلى واضحة النهار وصولا إلى إنضاج تناقضاتها لتوظيفها في أفق استراتيجيات سياسة مفكر فيها بكل دقة و بطرق ممنهجة و مضبوطة . أوليس النظام الدولي الجديد هو تفتيت المفتت و تجزيء المجزأ اعتمادا أساسا على المعارف بشتى لويناتها و تخصيصا المعرفة الإنسانية؟

كتابات منظري الحضارة الجديدة او ما وسمه صامويل هانتينتون ” الموجة الثالثة TROISIÈME VAGUE ” تصب كلها في هذا المرمى و تتقصد بكل تأكيد هذا الاتجاه : ألفين طوفلير ALVIN TŒFFLER و BERNARD LEWIS و F.FUKUYAMA و فؤاد عجمي و S.HUNTINGTON ..
غير أنه بالرغم من هاته الملاحظات التي سقتها ألاحظ – متأسفا كغيري – في مجتمعاتنا استشراء قناعات انطباعية سلبية لا علمية درجنا على التطبيع معها دون التساؤل عن أسسها و حيثياتها نظرا لترسخ عقلية التخلف المزمن فينا ؛ في بنياتنا الذهنية ؛ و من ذلك اعتبار المعرفة الإنسانية حشوا أو تزيدا لافائدة ترجى منه و الفلسفة ثرثرة أو ضربا من الجنون و الشعر مضيعة للوقت و الأدب مسلكا للتافهين و التشكيل فضاء للمغفلين و الإبداع حقلا للمعتوهين و التاريخ سردا لوقائع مضت وولت …

و أنا أصوغ هاته الملاحظات طفت على سطح وعيي ما علق من قراءاتي حول المجتمع الروسي ؛ قبل إرساء المشروع التوتاليتاري البلشفي القمعي مع لينين أو مع ستالين السفاح ؛ الذي كان يقيم وزنا داخل كل أسرة لكل من تملك القدرة على الإبداع الأدبي و الموسيقي و المسرحي وأدرك سحر الجمال الفني بشكل عام ..يكفينا فقط ذكر اسماء وازنة في هذا المضمار كشولوخوف و مكسيم غوركي و أنطون تشيخوف و فيدور دوستويفسكي و إلكسندر بوشكين ..أما الكبير ماياكوفسكي فسلوا شاعرنا الرصين أستاذنا سي إدريس الملياني فعنده السر و الخبر اليقين ….

Leave a Comment