سياسة

المعركة الانتخابية في كيبيك-كندا و نتائجها-(الجزء الثاني)- التطورات التي ستتمخض عنها النتائج الانتخابية

الشيخ حسن غية، مهندس و محامي متقاعد

 

يوم الاثنين الاول من تشرين الاول ( أكتوبر ) أدلى المواطنون في كيبيك باصواتهم في صناديق الاقتراع و تم انتخاب حكومة جديدة. في الحلقة السابقة القينا الضوء على نتيجة الانتخابات. في هذه الحلقة سنتكلم عن التطورات التي ستتمخض عنها هذه النتائج الانتخابية و اثرها على الاقليات.

طبعا خلال الحملة الانتخابية عرض كل حزب برنامجه على الناخبين و من المنطقي ان يتصور المراقب ان الناخب اختار الحزب الذي أدلى له بصوته نتيجة لاختياره لبرنامج هذا الحزب. و من المنطقي ايضا ان يعتبر الحزب الفائز انه نال تفويضا من الشعب لوضع برنامجه موضع التنفيذ، و هذا ما يعلنه حزب التحالف من اجل مستقبل كيبيك ( الكاك ) الذي فاز في الانتخابات و شكل الحكومة الجديدة. لن نستطيع في هذه العجالة تقييم برنامج الكاك الانتخابي كله. سنركز بالمقابل على الأمور التي اثارت، و لا تزال تثير الكثير من الجدل و التي تسبب الكثير من التخوف لدى الكيبيكيين المنتمين لأقليات دينية او إثنية و من بينها الكيبيكيون من أصول عربية و إسلامية. هذه الأمور المثيرة للجدل و لمخاوف الاقليات تتلخص بنية الحكومة الجديدة تخفيض عدد المهاجرين، فرض اختبار المهاجرين الجديد للتأكد من معرفتهم بقيم كيبيك و الالتزام بها، و إصدار قانون لحظر استعمال الرموز الدينية على موظفي الدولة الذين عندهم سلطات قسرية على الآخرين.

١- تخفيض عدد المهاجرين الجدد:

برنامج الكاك يدعو الى تخفيض عدد المهاجرين الجدد الى مقاطعة كيبيك من خمسين الف الى أربعين الف اَي بمقدار ٢٠ ٪. هذا الإعلان سبب الكثير من الجدل لدى المراقبين بقدر ما اثار مخاوف أبناء الاقليات الذين يريدون ان يساعدوا أقرباءهم في الهجرة الى كيبيك. جدل المراقبين و المحللين سببه ان الهجرة هي من اختصاص الحكومة الاتحادية و بالتالي على حكومة كيبيك ان تتفاوض مع الحكومة الاتحادية للوصول الى اتفاق يسمح بتخفيض عدد المهاجرين. من ناحية اخرى يرى العديد من الاقتصاديين ان هنالك نقصا في القوى العاملة في كيبيك و ان الحكومة اذا ما ارادت الحفاظ على قوة كيبيك الاقتصادية لا بد لها من تعويض هذا النقص عن طريق الهجرة. و من هنا يرى الكثير من المراقبين ان مشروع تخفيض عدد المهاجرين قد لا يتعدى كونه دعاية انتخابية صعبة التنفيذ و سيكون ضررها اذا ما نفذت اكثر من نفعها.

٢- اختبار القيم الكيبيكية:

كانت الكاك قبل المعركة الانتخابية و خلالها تنادي بإخضاع المهاجرين الجدد لاختبار للتأكد من معرفتهم بالقيم الكيبيكية و التزامهم بها. قبل االمعركة الانتخابية كان الحزب يعلن ان المهاجر الذي لا يفوز بالاختبار سيتعرض للطرد من البلاد و لكن بعد ابتداء هذه المعركة بدأت حدة لهجة الحزب في هذا المجال تخف شيئا فشيئا. نتصور ان حدة اللهجة بدأت تخف لسببين مهمين الاول هو انتخابي الهدف منه عدم تخويف الناخبين المنتمين للاقليات و الذين سيتضررون بطريقة مباشرة او غير مباشرة اذا ما طرد بعض اقربائهم او اصدقائهم، اما السبب الثاني و هو الأهم ان الاعلاميين اظهروا للعيان انه لا يحق لحكومة المقاطعة طرد احد من البلاد. السماح بدخول كندا او القرار بالطرد من كندا، بما فيها مقاطعة كيبيك، هي من صلاحية الحكومة الاتحادية. و التالي فان موقف زعيم الكاك و رئيس الوزراء الجديد تغير مع اقتراب يوم الاقتراع. لقد كان موقف السيد لاغو الأخير هو ان المهاجر الذي لا يفوز باختبار القيم الكيبيكية لن يطرد وإنما سيعطى فرصة اخرى للتقدم للاختبار من جديد، و اذا فشل مرة اخرى سيعطى فرصة اخرى و هكذا دواليك حتى يفوز. اذاً لن يطرد احد بسبب هذا الاختبار الذي يبدو ان الهدف منه لم يكن طرد احد بقدر ما كان دغدغة لمشاعر شريحة معينة من المجتمع الكيبيكي لاستدرار أصواتها.

٣- مشروع قانون حظر الرموز الدينية:

مما لا شك فيه ان مشروع هذا القانون المزمع تقديمه الى البرلمان الجديد هدفه انتخابي كمشروع تخفيض عدد المهاجرين و مشروع اخضاع المهاجرين الجدد لاختبار القيم الكيبيكية. الهدف الانتخابي هو دغدغة مشاعر الناخبين الذين يشعرون ان هويتهم القومية مهددة من قبل الوافدين الجدد و الاقليات خاصة الدينية منها. و لكن مشروع حظر الرموز الدينية يقع ضمن إطار صلاحيات برلمان المقاطعة و ذلك خلافا للمشروعين الآخرين الذين لا تستطيع الحكومة الجديدة تنفيذهما دون الاتفاق مع الحكومة الاتحادية.

في هذه الحلقة سنحاول فهم خلفيات هذا المشروع و في الحلقة القادمة سنتحدث عما يترتب عليه دستوريا و قضائيا و اثره على الكيبيكيين من العرب و المسلمين.

أ- الخلفيات التاريخية:

حتى بداية ستينات القرن الماضي كانت الكنيسة الكاثوليكية تهيمن على المجتمع في مقاطعة كيبيك وذلك من خلال تحالفها مع السلطات السياسية التي كانت تحكم المقاطعة آنذاك. على سبيل المثال كانت الكنيسة تسيطر كليا على الخدمات الصحية و التربوية بحيث انه لم يكن هنالك وزارة للصحة و لا وزارة للتربية. طبعا حصلت خلال سنوات عديدة تجاوزات كثيرة من قبل رجال الإكليروس. هذه التجاوزات تركت اثرا سلبيا بعيد المدى في المجتمع و لا يزال هذا الأثر السلبي واضحا في قناعات الكثيرين من المواطنين الكيبيكيين و في السياسات و القرارات التي تأخذها الحكومات الكيبيكية المتعاقبة. نتيجة لاستبداد السطات السياسية و تجاوزات السلطات الكهنوتية، التي سُميت حقبة هيمنتهما بعهد الظلمة العظيمة، حصلت صحوة اجتماعية و سياسية عرفت باسم الثورة الهادئة. هذه الثورة غيرت المجتمع تغييرا جذريا و كرست الديموقراطية و حررت المجتمع من الفساد و من سيطرة الكنيسة. احدى نتائج الثورة الهادئة كانت الابتعاد ليس فقط عن الكنيسة كمنظمة كهنوتية و انما الابتعاد عن الكنيسة كدين و عن الأديان بشكل عام. من هنا نرى نفور الكيبيكيين من التديُّن كائنا ما كان دين المتديِّنين. و هذا النفور يسبب بعض التخوف من المتدينين بشكل عام و المسلمين بشكل خاص لان النساء المسلمات المحجبات يعدن الى ذاكرة المواطن الكيبيكي الذي عاش عهد الظلمة العظمى ذكريات أليمة عاشها ايّام طفولته في المدارس التي كانت تديرها الراهبات في تلك الفترة. من هنا نسمع من وقت لآخر بعض الكيبيكيين الذين يقولون:” نحن لم نتخل عن ديننا لتتبنى دينا آخر “.

ب- تقرير بوشار تايلور:

امام نفور الكيبيكيين من الأديان بشكل عام و وفود عدد كبير من المسلمين ، خاصة من افريقيا الشمالية بسبب شيوع اللغة الفرنسية في بلاد المغرب الكبير، بدأت الاحتجاجات و الحساسيات تتزايد. اشتد الصراع بين المدافعين عن حرية المعتقد و الممارسة الدينية من طرف و المدافعين عن العلمانية و ضرورة الحفاظ على حيادية الدولة و الهوية القومية من طرف آخر. لقد جرى هذا الصراع في ظل ما اطلق عليه في تلك الفترة اسم ” التسويات المعقولة ” و ذلك من خلال المطالبة باجراء تغييرات طفيفة معقولة للتسهيل على اصحاب الحاجات الدينية الخاصة . لحسم الصراع و اعادة الأمن الاجتماعي شكلت حكومة كيبيك، التي كان يرأسها آنذاك جان شاري، لجة برئاسة شارل تايلور و جيرالد بوشار لدراسة الأزمة و اقتراح حلول لها. بعد استماع اللجنة للعيد من الخبراء و المواطنين قدمت عام ٢٠٠٨ تقريرا عرف باسم تقرير بوشار-تايلور. من توصيات بوشار-تايلور لحماية العلمانية و ضمان حيادية الدولة نزع الصليب المعلق على جدار قاعة البرلمان و منع القضاة و حراس السجون و رجال و نساء الشرطة من ارتداء الرموز الدينية لما لهذه الفئة من الموظفين من سلطات قسرية على الآخرين. و لكن التقرير أوصى بالسماح للمدرسين بارتداء الرموز الدينية خلافا لما كان يطالب به البعض محتجا بان للمدرسين سلطة كسلطة الموظفين الذين اوصى التقرير بمنعهم من ارتداء الرموز الدينية.

لقد صدر تقرير بوشار-تايلور عام ٢٠٠٨ و لكنه حتى الآن بقي حبرا على ورق مع انه كان من وقت صدوره حتى الآن الشغل الشاغل للمهتمين بمسألة العلمانية و حيادية الدولة و الهوية القومية و الحريات الدينية.

لقد تطور المجتمع منذ صدور تقرير بوشار-تايلور الى درجة ان احد الرجلين الذين وقعاه تراجع عن توقيعه و أعلن ان توصيات التقرير لم تعد صالحة للمجتمع الكيبيكي الآن. لقد صرح السيد شارل تايلور انه لم يعد مقتنعا بضرورة إصدار قوانين لتقنين لباس الموظفين فالعلمانية و حيادية الدولة ليستا مهددتين و ان المسألة لا تعدو كونها عدم معرفة المواطنين لبعضهم البعض و ان مجرد انفتاح المواطنين على بعضهم البعض سيهدم حاجز الخوف و سيحل الأزمة.

د- مشروع شرعة ألقيم الكيبيكية:

فازت السيدة بولين مروا على رأس الحزب الكيبيكي في انتخابات مقاطعة كيبيك عام ٢٠١٢ و لكنها لم تحز على اكثرية مقاعد مجلس النواب فشكلت حكومة أقلية. طبعا اهم مبادئ الحزب الكيبيكي هي الدفاع عن اللغة الفرنسية و الثقافة الكيبيكية و الهوية القومية و السعي لجعل كيبيك دولة ذات سيادة لا مجرد مقاطعة في الاتحاد الكندي. عندما وصلت السيدة مروا الى السلطة كان الجدل لا يزال قائما حول تقرير بوشار تايلور وضرورة إصدار قانون لتقنين العلمانية و حيادية الدولة. كان المجتمع منقسما الى معسكرين، معسكر يرى ان التقرير سيقيد الحريات التي يضمنها الدستور و معسكر يرى ان التقرير لم يذهب الى ما فيه الكفاية لحماية العلمانية و حيادية الدولة من خطر عودة سيطرة الأديان على المجتمع. طبعا حكومة الحزب الكيبيكي بقيادة رئيسة الوزراء بولين مروا كانت تقود المعسكر الثاني. قدمت الحكومة مشروع إصدار شرعة للقيم الكيبيكية. هذه الشرعة أخذت الخطوط العريضة من تقرير بوشار-تايلور و لكن جعلتها اكثر تقييدا للحريات الدينية بمنع كل موظفي القطاع العام من ارتداء الرموز الدينية مع تهديد كل موظف لا يمتثل لهذه الشرعة بعد ان تصبح قانونا بفصله من الوظيفة. لقد فتح مشروع شرعة القيم الكيبيكية الباب على مصراعيه للنقاش الحاد بين المؤيدين و المعارضين و اصبح واضحا ان السيدة مروا لن تستطيع، على رأس حكومة أقلية، ان تحصل على تصويت البرلمان المنقسم على ذاته لصالح شرعة تسبب شرخا عميقا في المجتمع. لذلك استقالت الحكومة بعد اقل من عامين من وصولها الى السلطة و دعت الى انتخابات جديدة. لقد جرت المعركة الانتخابية عام ٢٠١٤ في ظل جو محموم و تحولت الانتخابات الى استفتاء حول شرعة القيم الكيبيكية. و رافق المعركة الانتخابية تجاوزات، من قبل بعض المتحمسين و المغرر بهم، أدت الى مضايقات لبعض المسلمات المحجبات و غيرهن من أبناء الاقليات. استطاع مشروع شرعة القيم الكيبيكية من تأليب عدد كبير من أبناء المجتمع، و ليس فقط أبناء الاقليات، ضد الحزب الكيبيكي مما أدى الى خسارته في الانتخابات ووصول الحزب الليبرالي الكيبيكي بقيادة السيد فيليب كويار الى الحكم و هكذا سقط مشروع شرعة الحقوق الكيبيكية.

في الحلقة القادمة سنتكلم ان شاءالله عن مشروع قانون حظر الرموز الدينية المزمع تقديمه للبرلمان و ما يترتب عليه دستوريا و قضائيا و اثره على الكيبيكيين من العرب و المسلمين.

Leave a Comment