العالم مجتمع

الماريخوانا بكندا بين مطرقة القانون وبريق الدولار

كاريكاتور مأخوذ عن موقع 24H

 محمد سديري

تقديم

يدور في كندا، منذ عدة سنوات ، وعلى غرار مجموعة من دول المعمور، جدل كبيرحول تشريع انتاج واستهلاك الماريخوانا ليس لأغراض طبية فقط وإنما لأغراض ترفيهية أيضا، فمؤخرا تحول هذا الجدل إلى صراع سياسي مع وصول الحزب الليبيرالي إلى السلطة في كندا، حيث سبق لهذا الأخير أن وعد بتشريع الماريخوانا خلال حملته الانتخابية السابقة، وهو ما جعل جيستان تريدوا يعطيه أولوية كبرى. ومن الطرائف أن هذا الأخير صرح بأنه استهلك الماريخوانا عندما انتخب أول مرة كنائب برلماني بمونتريال، وهو نفس الشيء الذي صرح به عدد من وزاراء حكومته الحاليين كجودي ويلسون رايبولد ووزير النقل مارك گارنو، الذي صرح بأنه كان يدخن الماريخوانا حينما كان يحضر الدكتوراه، ووزيرة الثراث الكندي ميلاني جولي، ووزير الخزينة سكوت بريسن.
في الأسبوع الماضي طرح أمام مجلس العموم الكندي مشروع القانون السالف C-45 بغية إضفاء الشرعية على انتاج وبيع واستهلاك الماريخوانا للبالغين من العمر 18 عاما على الأقل، من خلال السماح للأشخاص بالحصول على ما مقداره 30 غراما من المجفف أو الطازج أوالمخدرات الخفيفة، وكذالك الترخيص باستنبات الماريخوانا في أماكن الإقامة للاستهلاك الفردي على أن لا تتعدى ارتفاع النبتة مترا واحدا. يقع مشروع القانون في حوالي 150 صفحة، وحسب ما وصفته الصحافة الكندية فهو مشروع غامض لا يشفي الغليل كما أنه يطرح العديد من التساؤلات. فما هي حيثيات مشروع القانون؟ وما هو موقف المختصين والأحزاب السياسية والعموم من هذا الموضوع الشائك؟

الماريخوانا والإقتصاد الكندي

تجدر الإشارة إلى أن فكرة تقنين زراعة واستغلال الماريخوانا، لأغراض طبية وصناعية، قد طرحت على المستوى العالمي كبديل واقعي للاتجار غير المشروع في هذه النبتة و مشتقاتها، خاصة بعد ثبوت عدم جدوى الحرب عليها. وقد كانت مجموعة من دول أمريكا اللاثينية سباقة في هذا المجال كالأرغواي مثلا منذ 2013. وفي السابق سمحت المحكمة العليا الكندية لمستهلكي الماريخوانا لدواع علاجية بزراعة هذه النبتة وحاليا يوجد حوالي حوالي 41 منتجا للماريخوانا مرخصا من وزارة الصحة الكندية، ويطالبون حاليا بالحصول أيضا على سوق الماريخوانا الترفيهية. وإذا كان الهدف المعلن للحكومة الكندية للترخيص بإنتاج وبيع الماريخوانا هو الحؤول دون وقوعها في أيدي القاصرين، ووقوع أرباحها في أيدي عصابات الجريمة المنظمة، فإن الهدف المبطن يبقى، بدون شك، هواستفادة الحكومة من المردود الضريبي لمليارات الدولارات سنويا عبر فرض ضرائب على بيع هذه المادة وإنتاجها. هذا خصوصا وأن العجز المالي للسنة الحالية، حسب وزير المالية، بيل مورنو، سيصل إلى حوالي 30 مليار دولار عوض 10 ملاييرالتي وعدت بها الحكومة خلال الحملة الإنتخابية، وبهذا فإنه من المأمول أن تصل إيرادات الضرائب من الماريخوانا إلى مئات الملايين من الدولارات في السنوات الأولى، ستذهب حوالي 60 في المئة من عائدات البيع الى المقاطعات، في حين ستستفيد الخزينة الفيدرالية من نسبة 40 في المئة. وقد خصصت الحكومة حوالي 10 ملايين دولار من الميزانية الحالية للتوعية.
بهذا تكون كندا، بعد تبنيها لهذا المشروع، أول بلدان مجموعة الدول السبعة الكبار G7 التي ترخص لبيع واستهلاك الماريخوانا، وهو ما سيضع مجموعة من الحكومات في حرج أمام ساكنتها، خاصة جارتها الجنوبية، الولايات المتحدة المتحدة الأمريكية. كما أنه، في نفس الوقت، سيجعل كندا تخل بالتزاماتها القارية لأنها تعد من بين 185 دولة الموقعة على المعاهدات الثلاث للأمم المتحدة الخاصة بمحاربة المخدرات وهو ما يضعها في إحراج كبير أمام المنتظم الدولي. كما أن الترخيص بإنتاج واستهلاك الماريخوانا سيسيل لعاب العديد من دول العالم الثالث، خاصة المنتجة منها لهذه المادة وعلى رأسها المغرب وأفغانستان.

الماريخوانا ولجنة العمل الخاصة

بعد وصول الليبراليين إلى الحكم وأمام الجدل الكبير الذي عرفه هذا الموضوع، أعلنت الحكومة الكندية على إنشاء مجموعة للعمل مكلفة بدراسة تشريع الماريجوانا التي رفعت مؤخراً تقريرها إلى الحكومة، حيث خرج فريق العمل بسلسلة من التوصيات إلى حكومة “جوستان ترودوا. وقد تضمن هذا التقرير 88 توصية ومقترح كان من أهمها ضرورة تحديد سن الرشد لشراء الماريخوانا، حيث أوصت المجموعة بسن أدنى وهو 18 سنة أو 19 سنة وفقاً لقانون بعض المقاطعات، وهو أدنى من سن 21 سنة الذي اقترحته الجمعية الطبية الكندية.
كما أوصت بوضع قيود على الإشهار والإعلانات بحيث تكون مشابهة لتلك المفروضة على منتجي التبغ، خاصة في ما يتعلق بالإعلان عن الشركة المنتجة، وبالنسبة للسعر فلم يكن هناك أي اقتراح لأي سعر ثابت للماريخوانا، لكن فريق العمل أوصى الحكومة بضمان المنافسة لمواجهة السوق السوداء. وأشارالتقرير أيضاً إلى ضرورة تكييف السعر وفقاً لقوة المنتج مما يشكل وسيلة للحد من شراء المنتجات القوية، وللحد من استهلاك الشباب للماريخوانا والإسراف في تعاطيها، اقترح فريق العمل على حكومات المقاطعات القيام بحملات توعية وتثقيف حول المخاطر المرتبطة بهذه المنتجات. كما تطرق التقرير أيضا الى اقتراح تقاسم إيرادات بيع الماريخوانا مناصفة بين الحكومة الفدرالية والمقاطعات والأقاليم، وأعطت لهذه الأخيرة وبالتعاون مع البلديات مسؤولة مراقبة عمليات التوزيع، وأوصت المجموعة بضرورة إنشاء مراكز التوزيع على مسافات مناسبة من المدارس والحدائق العامة. وتجدر الإشارة هذا إلى أن توصيات مجموعة العمل هذه حول تشريع الماريجوانا والتي رُفعت للحكومة غير مُلزمة وسيكون الخيار متاحاً لها لاتباعها او تجاهلها.

رأي الخبراء والمختصين

حاليا يعكف النواب الفيدراليون على دراسة هذاالمشروع خلال الدورة الربيعية الحالية، ولاشك أنه أمام نواب مجلس العموم الكندي تحديات كبرى لإنزال هذا القانون على أرض الواقع لأن الترخيص لإستهلاك الماريخوانا سيطرح جملة من الإشكالات الكبرى، سيما في ظل تضارب المصالح بين مجموعة من المتدخلين في هذا الملف، خصوصا بين المؤسسات الفيدرالية والمقاطعات والبلديات بسبب اختلاف القوانين ذاخلها، حيث أظهرت عدة حكومات محلية عدم استعدادها في الوقت الحالي للترخيص للماريخوانا وطالبت بمزيد من الوقت لدراسة الموضوع، وهو ما حاولت حكومة أوتاوا أخذه بعين الاعتبار من خلال تبني الأول من يوليوز 2018 كتاريخ لبداية تطبيق القانون الجديد. وفي هذا الشأن أجمع الخبراء القانونيون والأطباء والمتخصصون على أن هناك عدة نقاط رئيسية يجب أن تأخذها الحكومة بعين الإعتبار عند تشريع القانون وهي:

– السن القانوني للسماح باستخدام الماريخوانا: تُطرح علامة الاستفهام حول السن القانوني الذي ستسمح به الحكومة الفيدرالية لاستخدام الماريجوانا فهل هو 18 عاماً، 19عاماً أو25 عاما. هذا وترى الجمعية الطبية الكندية أنه من الأفضل السماح باستخدام الماريخوانا اعتباراً من 21 عاماً لحماية الدماغ الذي يتطور وينمو حتى بلوغ سن 25 عاماً وفي السياق ذاته اختارت الجمعية الكندية لطب الاطفال الاعتماد على النموذج المتبع في مجال الكحول والتبغ حيث يُنصح بالسماح باستخدام تلك المنتجات اعتباراً من 18 عاماً أو 19 عاماً حسب قوانين المقاطعات.

– النموذج المعتمد للتوزيع: تعهد رئيس الوزراء الكندي “جوستان ترودو” بالعمل مع حكومات المقاطعات الكندية حول مسألة توزيع وبيع الماريخوانا لأغراض ترفيهية، وقد عملت الحكومة الكندية على منح حرية العمل لحكومات المقاطعات لتطوير نماذج خاصة بها. وفي هذا الصدد رحبت مقاطعة اونتاريو بامكانية بيع الماريخوانا في فروع المؤسسة الحكومية لبيع الكحول والمشروبات الروحية، أما بالنسبة لحكومة الكيبيك، فانها فضلت أخذ مزيد من الوقت لمعالجة مسألة الترخيص، كما أبدت أيضاً جمعية الصيادلة في كندااهتماماً للعب دور في توزيع هذه المادة المخدرة.

– زراعة الماريخوانا في المنزل: في السابق سمحت المحكمة العليا لمستهلكي الماريخوانا لدواع علاجية بزراعة هذه النبتة، أما مشروع القانون الحالي فقد أقر السماح للأشخاص العاديين باستنبات الماريخوانا للإستهلاك الفردي لأغراض ترفيهية في أماكن الإقامة على أن لايتعدى ارتفاع النبتة مترا واحدا. وهو ما سيطرح عدة تحديات منها طرق المراقبة والزجر.

– توزيع الأرباح: أفادت عدة دراسات كندية أن تسويق الماريخوانا يمثل 22 مليار دولار في كندا وتأمل الجهات الطبية المختصة بمعالجة المرضى بالحصول على الأولوية من تشريع الماريخوانا. وهذا مايطرح علامات استفهام كبرى حول ما اذا كانت الحكومة ستستفيد من خلال زيادة عائداتها من الضرائب أم أنها ستكون محدودة لأن فرض هذه الضرائب سيؤدي بالمستهلكين الى اللجوء الى السوق السوداء. خصوصا وأن نفقات الحكومة في السنة الأولى ستكون مرتفعة بفعل حملات التوعية والوقاية والمراقبة التكوين. فقد كشف تقرير برلماني أن تشريع الماريخوانا لن يحمل إلى المالية العامة حلاً سحرياً على المدى القصير وستخلق قطاعاً جديداً لم يكن موجوداً في الاقتصاد الكندي

موقف الأحزاب السياسية الكندية
تعددت مواقف الأحزاب السياسية الكندية بخصوص مشروع القانون الجديد، الذي يمكن اعتباره نصرا كبيرا لحزب الماريخوانا الكندي بقيادة بلار لانگلي، الذي تأسس سنة 2000، وهو غير ممثل داخل البرلمان الكندي، والذي كرس وجوده من أجل هذا الهدف، حيث طالب بمزيد من الإجراءات كحدف العديد من العقوبات الزجرية الخاصة بالقاصرين والسائقين وهو نفس الشيء الذي دافع عنه حزب بلوك بوث POT بالكيبك الذي يحتفل هذه السنة بذكرى تأسيسه العشرين.
أما حزب المحافظين PC فقد رأى أن الحكومة الحالية تفتقر إلى استراتيجية واضحة بخصوص ملف تشريع الماريخوانا وأن فراغا قانونيا يلف هذا الملف الشائك، كما أنه اتهم الحكومة الليبرالية برمي ملف حارق نحو المقاطعات والبلديات واتهمها أيضا بالتسترعلى التكاليف المترتبة عنها خصوصا ما يمس الصحة العمومية. وبالنسبة للحزب الديموقراطي الجديد NPD فقد طالب بإطلاق سراح السجناء الذين حوكموا بسبب الماريخوانا وبإخلاء سجلاتهم العدلية بعد تشريع إنتاج الماريخوانا واستهلاكها، وأكد أن 10 ملايين دولار من الميزانية الحالية للتوعية والوقاية غير كافية، هذا في الوقت الذي طالب فيه حزب الكتلة الكيبيكية الحكومة الفيدرالية بتكليف الحكومة المحلية بالكيبك مهمة إعطاء التراخيص والمراقبة واعتبر تشريع إنتاج واستهلاك الماريخوانا قطاعا إنتاجيا يمكن أن يدر عشرات المليارات على الخزينة المحلية.
أما الحزب الليبرالي بمقاطعة الكيبك فقد أكد على لسان وزير الصحة گايتان باراث بأن الحكومة الفيدرالية ترمي بملف ساخن نحو المقاطعات دون الإكثرات بالعواقب، خصوصا التكاليف الصحية والوقاية وحماية الشباب المترتبة عن ذالك، وهو مارفضته وزيرة الصحة الكندية مؤكدة بأن القانون الحالي هو مقاربة جديدة بعد مئة سنة من تجريم استهلاك الماريخوانا، والتي لم تؤت أكلها، واعتبرت المشروع الحالي أكثر حماية للشباب من المهربين.
أما عمدة مونتريال، دوني كوديير، فقد بدا أكثر تحمسا للموضوع وطالب الحكومة الفيدرالية بدفع المستحقات الخاصة مسبقا لأن تشريع استهلاك الماريخوانا سيتطلب تكاليف إضافية خاصة باشتغال وتكوين الشرطة وكذالك للتوعية والوقاية ولإصدارالتصاريح الخاصة.

موقف الكنديين من هذا الملف؟

حسب استطلاعات الرأي، فإن تشريع الماريخوانا يحضى بتأييد ثلثي الكنديين، لكن أربعين بالمئة من المؤيدين يخشون أن يصبح الحصول عليها سهلا جدا ويطالبون بالتالي بتأطيرها بقوانين وأنظمة متشددة، في حين يرى آخرون أن الحكومات الكندية تأخرت كثيرا في تشريعها، ففي اليوم العالمي للماريخوانا الذي يوافق 20 أبريل تجمع حوالي 12000 مشاركا أمام البرلمان الكندي بأتاوا وحوالي 6000 مشارك بمونتريال وطالبو بمزيد من الحريات وبالترخيص الكامل لإنتاج واستهلاك الماريخوانا دون قيد أو شرط، لكن يبقى أن هذا الإندفاع المجتمعي يقابله تحذير خطير من الأوساط الطبية، خاصة وأن الماريخوانا تشكل خطرا داهما على السلامة الطرقية، حيث تشيرالأرقام الى أن عدد الوفيات الناجمة عن حوادث السير هي في ارتفاع مستمر، سيما أمام غياب الوسائل الضرورية للزجر ومراقبة المخالفين للقانون. كما أن تشريع الماريخوانا ستكون له إنعكاسات خطيرة على صحة الشباب الجسمية والعقلية وعلى وضعية الأسرة اجتماعيًا واقتصاديًا، وتدل على ذلك ارتفاع نسب العنف في المؤسسات التعليمية، وارتفاع شغب الملاعب، وتسارع وتيرة تفكك الأسرة، وارتفاع ظاهرة العنف ضد الأصول، وارتفاع حوادث السير والقتل وزيادة نسبة الهدر المدرسي وهو ما سينعكس بدوره على حجم المتطلبات المالية اللازمة من صحة ورعاية اجتماعية وتأمين ووقاية وتوعية وغيرها.

وتبقى الإشكالية الكبرى هي كيف ستتعاطى الحكومة الكندية بخصوص هذا الملف مع السكان الأصليين ذاخل محميات الهنود الأمريكيين، خصوصا وأن هذه الأخيرة تحكمها قوانين خاصة تنقسم بين القوانين الفيدرالية والمقاطعات بالإضافة إلى الأعراف القبلية للسكان الأصليين، سيما وأن الحكومات لازالت تكتوي بقانون ترخيص التبغ المحلي وما تخللته من مشاكل ذاخل هذه المحميات، بحيث أن العائدات لن تساوي أي شيء لأن السكان المحليين لا يدفعون الضرائب وهو ما سيشجع على التهريب وبالتالي سيضع الحكومات أمام تحديات كبرى، أضف الى ذالك ما سيترتب عن ترخيص الماريخوانا من زيادة المشاكل الإجتماعية والصحية ذاخل هذه التجمعات السكانية الهشة.

في الأخير يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو ماهو موقف الجاليات المتدينة: المسلمة، اليهودية والمسيحية والمنتمية إلى ديانات أخرى من الترخيص ببيع واستهلاك الماريخوانا وإلى أي حد تعمل الحكومة الكندية على استشارة هذه الجاليات فيما يخص هذا الموضوع الشائك ؟

Leave a Comment