المغرب سياسة

التنمية البشرية بالمغرب: الحلقة المفرغة

صورة مأخوذة عن موقع وكالة المغرب العربي للأنباء المستقلة

صورة مأخوذة عن موقع وكالة المغرب العربي للأنباء المستقلة

      محمد سديري

 

صدر مؤخرا التقرير الأممي العالمي حول التنمية البشرية لسنة 2016 وقد صنف المغرب في المركز 123، وراء جارتيه الجزائر وتونس بل وتتقدم عليه دول مثل ليبيا والعراق التي تعيش حروباً. وعلى مستوى البحر الأبيض المتوسط يعتبر التقريرالمغرب كأكثر الدول تخلفاً من ناحية التنمية البشرية. وإذا كانت التنمية البشرية هي عملية توسيع القدرات التعليمية والخبرات للشعوب والمستهدف بهذا هو أن يصل الإنسان بمجهوده ومجهود ذويه إلى مستوى مرتفع من الإنتاج والدخل، وبحياة طويلة وصحية بجانب تنمية القدرات الإنسانية من خلال توفير فرص ملائمة للتعليم وزيادة الخبرات، وهذا ما يطرح مجموعة من التساؤلات المحرجة خاصة وأن المسؤولين مافتؤوا يتغنون بالإستقرار السياسي أو الإستتناء المغربي. فماهي نجاعة السياسات العمومية المتعلقة بالتنمية بصفة عامة وإلى أي حد يمكن اعتبار الديموقراطية كأحد ركائز التنمية البشرية بالمغرب ؟

تجب الإشارة الى المرتبة التي احتلها المغرب جاءت وراء جارته الجزائر التي احتلت المركز 83 ثم تونس في الصف 97 وليبيا في المرتبة 102 ورغم مشاكل مصر فقد احتلت مرتبة 111، بينما لم يتجاوز هذا الأخير سوى دول فقيرة عربية مثل موريتانيا واليمن والسودان، علما أن البلدين الأخيرين أنهكتهما الحروب. وعلى مستوى البحر الأبيض المتوسط، يأتي المغرب في أسفل الترتيب، فشمالاً توجد الدول الأوروبية المتقدمة في التنمية البشرية مثل اسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، وفي الضفة الجنوبية تتجاوزه كل الدول بدون استثناء بما فيها ليبيا.

وقد اعتمدت منظمة الأمم المتحدة معايير جديدة لإصدار تقريرها الأخير كجودة التعليم والصحة ومعدل الحياة ومستوى الفقر هو مايجعل هذا التقرير أكثر مصداقية لأنه كان في السابق يعتمد على الدخل الفردي كمعيار رئيسي. ولاشك أن هذا التقرير جاء ليكرس التقاريرالسابقة التي كان المغرب يرفضها ويتهم الأمم المتحدة بعدم الأخذ بعين الاعتبار معطيات التنمية البشرية الحقيقية في البلاد خلال التحليل والتصنيف، لكن دراسة بعد الأخرى وتقرير تلو الآخر يكشف استمرار المغرب في المراكز العشرين بعد المائة منذ أكثر من عقد. ويحدث هذا في وقت رفعت الدولة المغربية شعار «التنمية البشرية»، كما يحدث في وقت يروج فيه المغرب لتصدير نموذجه لتنمية عدد من دول القارة الإفريقية.

وتعود أسباب هذا التراجع الى عدة أسباب أهمها تعثرالإنتقال الديموقراطي بالمغرب ودورالنخبة في فرض سياسة اقتصادية ليبرالية متوحشة زادت من حدة الفوارق الإجتماعية وانهكت كاهل الطبقات الشعبية، وكذالك غياب استراتيجية، سواء على المدى البعيد أوالمتوسط، لمحاربة ظاهرة الفقر والتهميش، بحيث أن السياسات العمومية تطبعها العشوائية، كما أن المناخ الحالي يكرس وضعية الفساد داخل المجتمع وتعمل الدولة على تشجيع اقتصاد الريع مما يحول دون تنمية اقتصادية فعلية من خلال تشجيع المبادرات الفردية وخلق مناخ مناسب للاستثمارات الداخلية والخارجية. كما أن السياسة العمومية بالمغرب تبقى رهينة لإملاءات صندوق النقد الدولي التي تكرس وضعية التخلف بحيث أن جل استثمارات الدولة لا تمس الطبقات الهشة كالصحة والتعليم و الخذمات.

في ميدان التعليم مثلا، أفاد التقرير الأخير للمجلس الأعلى للتعليم بأن 650 ألف طفل مغربي لم يحصلوا على التعليم خلال الثلاث سنوات الأخيرة، و يعاني قطاع الصحة بدوره من أزمة خانقة ومشاكل لاحصر لها.
كما أن السياسة المتبعة من طرف الدولة تحول دون استفادة الطبقات الهشة، فمثلا فيما يخص الاستثمارات في البنيات التحتية الأساسية، عملت الدولة على الإستثمار في المشاريع الضخمة التي تبقى مردوديتها منعدمة بالنسبة للمواطن البسيط كالطرق السيارة والقطار الفائق السرعة والمسارح الكبرى والملاعب الرياضية الضخمة، هذا دون أن ننسى الفوارق في الاستثمارات بين الحواضر والبوادي، خاصة وأن هذه المشاريع تتطلب أموالا ضخمة تأتي غالبيتها عن طريق المديونية، التي وصلت بدورها الى مستويات قياسية بحوالي 83% من الناتج الإجمالي الخام، مع العلم أن هذه القروض لا توظف في تحقيق التنمية. وهنا تجب الإشارة الى الفوارق الشاسعة بين الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص وتلك التي يقدمها القطاع العام سواء في الصحة أو التعليم، تجعل المغرب يسير بوثيرتين مختلفتين تكرسان مزيد من الفوارق الإجتماعية، مما يجعل هذه السياسات العمومية عديمة الجدوى.

من هنا يمكن اعتبارالسياسات الإقتصادية المتبعة بالمغرب، خاصة منذ بداية الستينات من القرن الماضي، مجرد استنساخ لمفاهيم اقتصادية دولية كالتقويم الهيكلي، الخوصصة، التنمية البشرية، الثروة اللامادية والتنمية المستدامة… هذه المفاهيم التي يتم تفريخها من طرف القوى العظمى لتكريس تبعية اقتصاديات البلدان النامية ويقوم حكام هذه الأخيرة بدورهم بتسويقها لشعوبهم واجترارها لعدة سنوات لدر الرماد في عيون  طبقات المجتمع، وفي نفس الوقت للإستفاذة من المساعدات الدولية، حيث تبدوا هذه المفاهيم الاقتصادية في الأخير مجرد سراب يجعل هذه البلدان تدور في حلقات مفرغة إلى ما لانهاية.

Leave a Comment