سياسة

الإنسحاب الأمريكي : إنهيار الدبلوماسية النووية

هشام معتضد أستاذ جامعي ومحلل سياسي

 

 
أكد الرئيس الأمريكي نيته الإنسحاب من الإتفاق الذي يجمع الولايات المتحدة الأمريكية بروسيا بخصوص تطوير الأسلحة النووية و الذي تم الإتفاق بشأنه سنة 1987 لتأطير النظام النووي العالمي بين البلدين إبان فترة الحرب الباردة. فإذا كان هذا القرار بالإنسحاب سيهدد النظام العالمي الحالي في شقيه الأمني و العسكري، فإن للولايات المتحدة الأمريكية حسابات إستراتيجية تدفعها لإتخاذ هذا القرار، خاصة و أنها تعتقد بأن هذا الإتفاق يمنعها من تطوير أسلحة ذات تقنية عسكرية يضمن لها توازن أمني على مستوى البحر الهادئ في خضم رهاناتها الجيوستراتيجية مع الصين.
فبالإضافة إلى أن الإدارة الأمريكية تتهم الروس بعدم إحترامهم لبنود الإتفاق، فإن الرئيس الأمريكي أبدى إستعداده بالإنسحاب من هذه المعاهدة لضمان أمن و إستقرار الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة المخاطر الدولية، خاصة تلك المتعلقة بحماية المياه الدولية في مناطق تعد بؤر لمطامع قوى إقليمية.
وبما أن الصين غير معنية وملزمة بإتفاق من هذا القبيل، فإن للولايات المتحدة الأمريكية مخاوف كبيرة من تطوير الصين لأسلحة نووية يمكنها من التفوق على التواجد الأمريكي في منطقة البحر الهادئ. فالإتفاق الروسي-الأمريكي يمنع الطرفين من تطوير أسلحة نووية متوسطة المدى التي يمكن أن تستهدف أماكن على بعد يتراوح ما بين 500 و 5500 كلم.

فبالإضافة إلى التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية مع نظيرتها الصينية، فإن التحضير لإمكانية مواجهات عسكرية بخصوص الهيمنة على أماكن حساسة في الفضاء الخارجي للكرة الأرضية، يعد من بين الأسباب كذالك التي دفعت الإدارة الأمريكية لإتخاد هذا القرار الذي يَصب في إتجاه الإنسحاب من معظم الإتفاقيات و المعاهدات الدولية التي قد تعيقها في تطوير المجال العسكري و الأمني. فبالاستمرار في إلتزاماتها الدولية داخل هذه المعاهدات، سيدفعها إلى فقدان الريادة العسكرية لامتلاك سيادة القرار بخصوص التوجهات الإستراتيجية للوضع الدولي الراهن و المستقبلي.

إن تطبيق قرار الإنسحاب الأمريكي من الإتفاق النووي مع الروس، يعد تحولا خطيرا في ميدان الدبلوماسية النووية و يمكن أن تكون له تبعات خطيرة على الوضع الأمني و التوازنات السياسية على المستوى الدولي. فإذا كانت روسيا لم تحترم بعض بنود هذا الإتفاق على مر السنوات الماضية، فإن الإنسحاب الأمريكي سيعجل بتفكيك النظام الدبلوماسي العالمي الخاص بتأطير الأسلحة النووية. وبتفكيك هذا النظام ستكون القوى العظمى للنظام العالمي الحالي مجبرة على تبني قواعد نظام عالمي جديد، ولن يتم ذالك إلا بحروب جديدة ستفرضها هذه القوى لإملاء قواعد و قوانين النظام العالمي الجديد.
فإذا كان العالم يترقب بحذر شديد المواجهة القطبية الأمريكية-الصينية، فإن إحتمال حرب باردة جديدة بين القوتين يعد إختيارا إستراتيجيا في الوقت الراهن. و بالتحول التدريجي لمركز السلطة العالمي من الحضارة الغربية إلى أماكن مختلفة خارجها، فإن بناء النظام العالمي الجديد سيتطلب المزيد من الحروب الإقتصادية و العسكرية، لأن مرحلة تنقل مركز القرار على المستوى الدولي لن يتم خارج التصادمات الإديولوجية والحروب الإقتصادية.

Leave a Comment