المغرب ثقافة

الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب

صورة مأخوذة عن موقع HEM

 

           محمد سديري

 

صدر حديثا عن دار النشر “توسنا” كتاب جديد تحت عنوان: “الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب” لمؤلفه الدكتور حسن أوريد الذي يتطرق فيه للعديد من المفاهيم من خلال إبراز الخطوط الفاصلة بين أدوار الدين والسياسة والدولة، ليعود بنا إلى الأشكال الأولى للصراع بين البنى الاجتماعية التي شكلت ملامح المغرب التقليدي، وبنية الدولة الوليدة التي اتخذت من الحداثة عنوانا لمشروعها السياسي، دون أن تفرط في مرجعيتها الأصلية وكيف أن هذه الشرعية الدينية شكلت سلاح دولة الاستقلال في مواجهة طموحات الحركة الوطنية.

ويعتبر الكتاب من الإنتاجات الفكرية القليلة التي تناولت بالنقد والتحليل المنطلقات الفكرية والسياسية، التي قامت على أسسها الحركة الإسلامية المغربية الحديثة، وتفكيك التداخل البنيوي الموجود داخلها بين ما هو سياسي اجتماعي وما هو عقدي دعوي، بحيث أن الدين هو العقيدة والقيم، أساسه العقدي والأخلاقي ويتميز بالثبات والاستمرارية في حين أن السياسة هي المصالح، تنطبع بالتحول والسعي نحو التكيف.

يطرحُ الدكتور حسن أوريد في هذا الكتاب إشكالية توظيف الدين في السياسة انطلاقاً من الحالة المغربية، محلّلاً مختلف أشكال هذا التوظيف في سياقها التاريخي، سواء من طرف الدولة أو الحركات المعارضة لها وما تخفيه من ظواهر معقّدة. واستند في مقاربته إلى تحليل موضوعي ودراسة لأطياف سياسية عدة، وانتهت إلى النتيجة نفسها وهي أن توظيف الدين في السياسة يُفضي إلى مأزق، وهو ما أثبته تطوّر استعمال الدين من طرف الفاعلين السياسيين، بشكل علني أو مستتر، وما انتهى إليه من تناقضات، وعمليات توفيق وتسويات، تظهر كشكل من أشكال البراغماتية والواقعية، وقد يفضي هذا الخلط إلى العنف أو على الأقل إلى تبريره.

ينقسم كتاب “الاسلام السياسي في الميزان” إلى خمسة فصول أساسية وهي: “استحداث التقاليد” “أسلمة الحداثة” “تسامي الحداثة وتصريف التقاليد” “تحديث الاسلام” و”الاسلام بين الاقتداء والتقليد”.
في الفصل الأول “استحداث التقاليد”، يتطرق الكاتب إلى أهداف هذا الاستخدام الذي يتوخى منه ترسيخ التماسك الاجتماعي، وإضفاء الشرعية على المؤسسات وإرسائها، وترسيخ المؤسسات ونشر منظومات معتقدات وقيم، وقد قسمه إلى أجزاء ومنها: “من استحداث التقاليد إلى عملية الضبط”، و”زمن جديد ومرجعيات جديدة”، محللا التقاليد المنقحة، والتحديث كأداة. وقدم صورة لذالك من خلال الملك الحسن الثاني، كملك حداثي محب للتاريخ، ملك يحاول استعادة ميراث فرنسا، عاملا على مغربة الحماية، مُرتديا جُبَّة المارشال ليوطي، مُنظر البنية المزدوجة: بنية تقليدية أو دار المخزن، وبنية عصرية أو مؤسسات الدولة. وهذا ما عكسته مختلف دساتير المملكة، باعتبار الملك “أمير المؤمنين”، من خلال ترسيم عدد من القواعد والطقوس وإحياء مراسيم قديمة ذات بعد ديني، من أجل إضفاء الشرعية على الحكم وترسيخه، ولصد التوجّهات الحداثية واليسارية التي كانت تهدّد عرشه.
وقد استمرّت هذه المظاهر في عهد الملك محمد السادس الذي عمل في السنوات الأخيرة على هيكلة الحقل الديني أو مايسمى ب “الإسلام المغربي” وذالك من خلال أربعة قواعد هي: أولاً، مؤسسة “أمير المؤمنين، ثانياً المرجع العقدي المستند إلى العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوّف السنّي. ثالثاً “المشروع الحداثي الديمقراطي”،ثمّ رابعاً، التركيز على الجانب الروحي للإسلام وجانبه الإنساني الذي يُسهم فيه التصوّف.

وفي الفصل الثاني من الكتاب المعنون “أسلمة الحداثة”، فقد تطرق ل “أدلجة التقاليد”، كما حللها الفيلسوف الإيراني دريوش شيغان، و”جذور أفكار الشيخ”، و”طريقة استعمال إيديولوجية”، و”شرح المتن”
وجاء الفصل الثالث بعنوان “تسامي الحداثة وتصريف التقاليد” (مسار الحزب، التنظيم أولا الإيديولوجية).
اما الفصل الرابع فعنون ب “تحديث الإسلام”، وهو مفهوم يعود إلى علال الفاسي، من خلال بدايات محتشمة، والأزمنة الثلاثة لتدبير الشأن الديني، “والإطار المرجعي”، و”أدوات تحديث الإسلام”، و”مؤسسات تفعيل تحديث الإسلام”، و”تحديث الإسلام على المحك”.
وعنون الفصل الخامس ب: “الإسلام بين الاقتداء والتقليد أو أشكال السلفيات” من خلال” جذور السلفية، والانحراف”، والحالة المغربية، “ومسار جهادي”، و”مجرة السلفية المتشظية” وغيرها.

وخلص الكاتب الى أن العالم العربي يعيش مرحلة جديدة من تاريخه، خصوصاً بعد موجات ما سميّ بالربيع العربي، يمكن وصفها بمرحلة القطيعة مع شعار فضفاض يدّعي أنّ “الإسلام هو الحل”، وكان في الواقع صياغة مختصرة لفكر سيد قطب الذي أثر في العالم الإسلامي، ذلك أن هذا الفكر تأسّس على تصوّرٍ لإسلام حركي يرفض أن يبقى الإسلام ديناً فقط، بل يجب أن يكون ديناً ودنيا، وبالتالي فالإسلام معنيّ بالصراع السياسي و”التدافع” نحو قيادة الأمة، ولا يعتبر الجهاد شرطاً دفاعياً بل هجومياً، حيث يرى في الآخر عدواً، كما أن السيادة، أو الحاكمية، هي للّه وحده.

وينهي الدكتور حسن أوريد كتابه بطرح مجموعة من الإشكالات حول مستقبل العالم العربي الاسلامي، في سياق الصعود المفاجئ لحركات الاسلام السياسي، واعتلائها السلطة في معظم دول الثورات العربية، ثم السقوط السريع لبعضها في مصر مثلا، كيف يمكن فهم وتفسير أسباب سقوط السريع للإسلام السياسي في بعض من الدول العربية؟ وهل فكرة الاسلام السياسي تؤدي بالضرورة إلى الشمولية، ومن ثم العنف؟ أية سيناريوهات مستقبلية تطرح بخصوص هذه الحركات؟ وبأية منطلقات فكرية ونظرية ستصمد حركات الاسلام السياسي أمام لهيب الشارع العربي ومطالب الشباب المستفحلة؟

يشغل الدكتور حسن أوريد منصب أستاذ للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ورئيسا ل “مركز طارق بن زياد” للدراسات والأبحاث. بدأ عمله كإطار بوزارة الخارجية قبل أن يعين مستشارا سياسيا بسفارة المغرب بواشنطن حتى سنة 1995. عاد بعد ذلك للمغرب ليبدأ عمله التعليمي كأستاذ في المدرسة الوطنية للإدارة وفي كلية الحقوق بالرباط. بعد اعتلاء محمد السادس العرش، تم تعيين السيد حسن أوريد كأول ” ناطق رسمي باسم القصر الملكي”، تم عين مؤرخا للمملكة المغربية في نونبر 2009.
وهو حائزعلى جائزة بوشكين للآداب والفكر سنة 2015، ومن أعماله الفكرية “مرآة الغرب المنكسرة”، ومن أعماله الروائية “سنترا”، تميز الدكتور حسن أوريد بأسلوب مميز في كتاباته باللغتين العربية والفرنسية، من أهم مؤلفاته كذالك: “الإسلام والغرب و العولمة”، رواية”الأجمة”، “سيرة حمار”، رواية صدرت سنة 2014
“زفرة الموريسكي”، وهو نص شعري نشر سنة 2014، هذا بالإضافة الى مجموعة الترجمات التي قام بها
من الفرنسية والانجليزية.

1 Comment

Leave a Comment