سياسة

إختفاء خاشقجي : إرهاب المعارضين بطعم دبلوماسي

مولاي هشام معتضد
جامعي و محلل سياسي

 
‎إذا كان إختفاء جمال خاشقجي سيضع السعودية في موقف حرج لإعتبارات سياسية و دبلوماسية، فإن المكان و الزمان التي تمت فيهما العملية لهما دلالات دبلوماسية و سياسية تتجاوز بكثير وزن الصحفي و الإعلامي الذي يعرف بإنتقاده الشديد لبعض السياسات العامة السعودية و خاصة تلك التي يراهن عليها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

‎فإذا كانت السلطات التركية تشير بأصبع الإتهام بضلوع السعودية وراء إختفاء خاشقجي، فإن المسؤولين الأمنيين في السعودية عازمين على إثبات براءتهم أمام الرأي العام و الدولي. فولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي يسوق لمملكة تتطلع للانفتاح الفكري و تقبل الرأي الأخر، سوف يجد نفسه أمام العديد من الضغوطات بخصوص قضية سوف تتأثر بهاصورة السعودية ضمنيا و شكليا، و ذالك لكون الحادث سيكون بمثابة تذكير بفراغ الوعود التي تطمح بتحقيق إنفتاح المجتمع السعودي.

‎إختيار تركيا لمسرح الحادث المأسوي يحمل إشارات سياسية مباشرة للمعارضين المقيمين خارج المملكة، خاصة للذين تبوؤا في الماضي مناصب رفيعة داخل هرم السلطة، و يتبنون اليوم طرحا مغايرا للتوجهات العامة التي يريدها النظام القائم في السعودية. أما بخصوص تنفيذ العملية على الأراضي التركية، فذالك يهدف إلى تخويف أصحاب الرأي المغاير للنظام السعودي و الذين يتخذون من تركيا دولة حاضنة لهم و تكثف جهودها لحمايتهم و تمرير أفكارهم.

‎فخاشقجي الذي كانت له علاقات متينة داخل دوالب الحكم و خاصة بمسؤولين داخل المخابرات السعودية، بالإضافة إلى كونه متعاطفا فكريا مع الأخوان المسلمين، و بقراره الكتابة لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية، إعتبرته الأجهزة السعودية إهانة لها، و شكل مصدر قلق منذ مغادرته للبلاد، خاصة و أنه كان مطلعا على أسرار و خبايا دوالب المؤساسات الحساسة بالنظام السعودي.

‎فبالإضافة إلى الضغوطات التي تتعرض لها السعودية على المستوى الدولي من أجل الإنفتاح على تحديات ملف حقوق الإنسان و رهانات الحريات الفردية، و ذالك تماشيا مع الوعود التي قدمتها للمنتظم الدولي، ستجد المملكة نفسها، إن تبث ضلوعها في إختفاء خاشقجي، أمام و ضع سيأرق دبلوماسيتها على مستوى المؤسسات الدولية و أروقة المنظمات الحكومية. فخطاباتها السياسية و الدبلوماسية ستفتقد حتما لمزيد من المصداقية، و بناء صورة حداثية و أكثر إنفتاحا سيتطلب المزيد من الضمانات و الإلتزامات المسؤولة لتخطي التجاوزات الراهنة.

‎أما على مستوى العلاقات الدولية، فإختفاء جمال خاشقجي، ستكون له تداعيات و إنعكاسات سلبية على العلاقة السعودية-التركية، و التي تمر بمرحلة شبه جمود دبلوماسي، من خلال المزيد من التصعيد في المواقف السياسية و تبني توجهات معادية و إتهامات سيادية. و بخصوص الدول الغربية، فحكوماتها ستعرف المزيد من الضغوطات من طرف المجتمع المدني و المعارضة البرلمانية من أجل إتخاذ قرارات و إجراءات عملية للتضييق على السعودية و ذالك للتخلي على سياستها التي تنهجها في مجال حقوق الإنسان و الحريات الفردية.

فإذا كانت ردود فعل الساسة الدوليين، و على رأسهم رئيسا تركيا و الولايات المتحدة الأمريكية، لا ترقى إلى مستوى تطلعات المنظمات الحكومية و الغير الحكومية، فإن المدة الزمنية التى إستغرقتها التحقيقات إلى حدود الساعة، تستدعي طرح المزيد من التساؤلات حول ظاهرة الإرهاب الدبلوماسي في العلاقات الدولية.

Leave a Comment