المغرب مجتمع

أطفال الشوارع في بلادنا يقودون الجهل والأمية والتخلف إلى الواجهة.

صورة مأخوذة عن موقع الْيَوْمَ 24

محمد أديب السلاوي

 

في زحمة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تتناسل على الساحة المغربية منذ عهد الاستقلال وحتى اليوم، انفجرن ظاهرة “أطفال الشوارع” على المشهد المغربي بقوة، على هامش ظواهر الفقر والفاقة والتهميش والبطالة والأمية والهجرة القروية، حيث أخذت هذه الظاهرة موقعها بشوارع المدن الكبرى والصغرى على السواء خارج أي مراقبة، ففي الشوارع والأزقة يتحرك مئات الأطفال مع طوابير المتسولين / مع حركة الباعة المتجولين وماسحي الأحذية وباعة السجاير بالتقسيط وحراس السيارات، إلى جانب أصناف عديدة من المهملين والمشاغبين والمشردين، مما يشكل ظاهرة مرضية، خارج أوفاق حقوق الإنسان وخارج قيم المواطنة.

فمن هم أطفال الشوارع…؟

أعمارهم في الغالب تتراوح بين سبع وثمانية عشرة سنة، أشكالهم تختلف عن أقرانهم المحظوظين، شحناتهم ذابلة، ملابسهم رثة، عيونهم جاحظة، يهيمون في الشوارع والأسواق والمحطات الطرقية ومحطات القطار، والدروب المظلمة والمزابل. إنهم يتواجدون في كل المدن بلا استثناء، يتيهون ويعيشون رغم انف الحياة دون مأوى، دون أسرة، دون تعليم ودون هدف.

هؤلاء الأطفال، يتكاثرون إلى درجة الخوف، يصعب إعطاء إحصاءات دقيقة عنهم، الجهات الرسمية تقول أن عددهم لا يزيد عن ثلاثمائة ألف، وهو رقم لا يترجم الحقيقة ولا يعكسها، وتقول : أن الأطفال المحرومين من مقاعدهم المدرسية في التعليم الأساسي، يقترب من المليونين وهو أيضا رقم لا يعكس بدوره حقيقة هذا الأمر.

في نظر علماء التربية وعلماء الاجتماع، إن مفهوم ظاهرة “أطفال الشوارع” ما زال غامضا، ولكنه مع ذلك يعطينا صورة واضحة عن هذه الشريحة على ارض الواقع، فهذا المفهوم يحيلنا على الأطفال المهملين أو المتخلى عنهم من قبل أسرهم. وأحيانا أخرى يحيلنا على الأطفال المشردين الذين لا اسر لهم أو المنحرفين الذين ارتكبوا جنحا ودخلوا الإصلاحيات وخرجوا منها بعد ذلك إلى الشوارع مباشرة…ويزكى علماء التربية هذا الطرح، على اعتبار أن “أطفال الشوارع” هم الأطفال الذين لا مأوى لهم والذين هم في الغالب أيتام منم الأبوين أو من أحدهما، أو ضحايا الطلاق أو المنحدرين من وسط أسري ضعيف اقتصاديا، يحرم فيه الطفل من التربية السليمة ومن التعليم النظامي السليم.

وفي دراسة ّرسمية” أنجزتها كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة (نهاية 1999) عن ظاهرة أطفال الشوارع، ضبط أو ما يشابه ذلك، لأهم الخصائص المميزة لهؤلاء الأطفال، وهي نفسها الخصائص التي تساهم في استفحال هذه الظاهرة، على الأرضية المغربية.

جاء في هذه الدراسة :
* إن جل هؤلاء الأطفال، يتعاطون المخدرات غير مصنفة، لا أحد يدري مضاعفاتها على صحتهم.
* إن جل هؤلاء الأطفال يشكلون فئة غير متجانسة، تتكون من أعمار مختلفة وظروف عائلية واقتصادية متباينة، مهددون بأنواع الانحراف، ومؤهلون للانتقال منه إلى الجريمة، وأنهم طعمة سهلة لمحترفي الجريمة ومروجي المخدرات.
* إن هؤلاء الأطفال يجتازون مرحلة مصيرية في تكوين شخصيتهم، ذات تأثير مباشر على مستقبلهم وتوازنهم العاطفي والوجداني.
* إن هؤلاء الأطفال يفتقدون كل مقومات النمو السليم، محرومون من أبسط الحقوق، يعانون من أشكال مختلفة من الضياع والحرمان والاستقلال والعنف…الخ، فهم مظهر صارخ للتهميش والإقصاء الاجتماعي.
* إنهم ضحايا المجتمع والأسرة بكل المقاييس، خروجهم إلى الشارع لم يأت بمحض الصدفة، بل هو تعبير عن تقاطع ضغوط حادة، فقدت فيها الأسرة شروط تثبيت أطفالها.
* إنهم الأطفال ضحايا سوء المعاملة في الأسرة والمدينة والمجتمع والشارع على السواء.

وفي نظر المجتمع المدني والمجتمع السياسي، “أطفال الشوارع” هم هؤلاء جميعا، ضحايا الأزمة الاقتصادية / السياسية / الاجتماعية، المتداخلة، التي حلت بالمغرب والمغاربة، نتيجة “التقويم الهيكلي” وسوء التدبير والتخطيط العشوائي الذي عرفته السياسات المتعاقبة لعقود طويلة، وهو ما يؤكد أن حجم هؤلاء الأطفال بالمغرب، أكبر بكثير من التقديرات الرسمية.

أما الدراسات الأكاديمية فتحدد “أطفال الشوارع” في : ثلاثة أصناف :
أ/- أطفال الأزمة الأخلاقية، وهم نتاج نزوات عابرة تمت في حالة ضعف نفسي أو مادي، وثمرة تراكمات الجهل والأمية والفقر والفراغ العقائدي، وهم أيضا أبناء النظام الأسري الذي أصابه التفكك من كل جوانبه، بأسباب الهجرة القروية والفقر والبطالة والأمية…وبالتالي بأسباب التخطيطات السياسية الخاطئة أو الفاشلة.
وتؤكد إحدى الدراسات الجامعية المغربية ( في علم الاجتماع) إن جل الأمهات اللواتي تخلين عن أبنائهن للشوارع، أميات بنسبة 97% ، ينحدرون في الأعم من أصل قروي، يأتين للمدينة للعمل في المصانع أو كخادمات في البيوت أو في أعمال أخرى، ومنها الأعمال اللااخلاقية…فهم (أي أطفال الشوارع) ثمار آباء وأمهات غير محصنين، لا دينيا ولا أخلاقيا ولا ثقافيا.
ب/- الأطفال المشردون : ويشكلون فئة خاصة بظاهرة “أطفال الشوارع” فهم ليسوا يتامى، بل لهم أسرهم التي تصدعت بالطلاق أو بالعنف أو بالفقر أو بالإدمان على الخمر أو الحشيش. فهجروا بيوتا لا توفر العيش الآمن، واتجهوا إلى الشوارع، البديل الممكن للاستمرار في الحياة.
وفي نظر العديد من الباحثين المغاربة، أن أسباب تشرد هؤلاء الأطفال هيكلية باعتبارها قضية ناتجة عن الفقر و تطور الأسرة والنمو الديمغرافي، وعن الفقر المدقع الذي وصلته الحياة في الجهات المهمشة.
وفي نظرهم أيضا، إن غالبية “الأطفال المشردين” ينحدرون من الدروب والأحياء الشعبية المهمشة، ومن مدن القصدير ومن الأكواخ الناشئة على أحزمة الفقر بالمدن الجديدة والعتيقة على السواء وعن الهجرة القروية المتواصلة بسبب الجفاف والظلم واليأس. فهم أطفال غير مرغوب فيهم أو مشردين أو منبوذين أو نازحين من القرى، حرموا مبكرا من التربية والتمدرس ومن مقومات حياة الطفولة العادية.
ج/- الأطفال الذين طردوا مبكرا من المدارس أو الذين تأخروا في تمدرسهم أو الذين عجز آباؤهم عن توفير مصاريف تمدرسهم.

هكذا ومن خلال تصنيفات الباحثين والمختصين لهذه الظاهرة التي لا يوجد حتى الآن أي إحصاء رسمي دقيق لها. ولكنها تبدو واضحة على ارض الواقع، في شكلها وتناسلاتها على الساحة الاجتماعية، إنها أصبحت أكبر من الأرقام والإحصائيات. فهي تتسع باستمرار وتكبر وتمتد في ظل الظروف الاجتماعية القائمة، وهو ما يعني أن العدد أكبر من تقديرات العين المجردة، وأكبر من تقديرات الإحصائيات الرسمية.

خاصة إذا اعتبرنا أن البطالة والفقر والأمية ثلاثة من أهم العوامل التي تدفع بأطفال الفقر إلى الهجرة خارج بيوتهم الأسرية، مكرهين أو مطرودين أو منبوذين أو متمردين على السلوكيات الاجتماعية للفقر…

Leave a Comment